في عالمٍ لم تعد فيه الأزمات أحداثاً عابرة، بل سِمةً متكررة في المشهد الدولي، تبدو قدرة الدول على إدارة الأزمات وصناعة القرار السليم معياراً حاسماً لنجاحها أو تعثرها. فالحروب، والكوارث البيئية، والجوائح الصحية، كما حدث في جائحة (كوفيد – 19)، كشفت بوضوح أن الفارق بين دولةٍ وأخرى لا يكمن في حجم الموارد فقط، بل في كيفية إدارة تلك الموارد تحت الضغط.
في دول الخليج، حيث تتقاطع التحديات الجيوسياسية مع الاعتماد الاقتصادي على قطاعات حساسة، تبرز الحاجة إلى نموذج متقدم لإدارة الأزمات، يقوم على الاستباق لا رد الفعل، والتحليل لا الارتجال. وهنا يظهر مفهوم «جهاز دعم القرار» كأحد أهم الأدوات التي يجب أن تكون في قلب المنظومة الحكومية الحديثة.
فخلال الأزمات، لا يكون التحدي في نقص المعلومات، بل في فوضى المعلومات. تتدفق البيانات من كل اتجاه، وتتضارب التقديرات، وتزداد الضغوط السياسية والإعلامية، ما يجعل القرار عرضة للخطأ أو التسرع. هنا يتدخل جهاز دعم القرار ليقوم بالدور الحاسم: جمع البيانات، تحليلها، بناء سيناريوهات متعددة، ثم تقديم توصيات دقيقة لصانع القرار. إنه، ببساطة، العقل التحليلي الذي يمنع الانفعال ويُعزز الرشد الإستراتيجي.
التجارب الدولية تقدم شواهد واضحة، فالولايات المتحدة أعادت بناء منظومة إدارة الأزمات بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، عبر تطوير نظام وطني متكامل يضمن تنسيق الجهود بين مختلف الجهات، ويمنع تضارب القرارات في اللحظات الحرجة.
أما في أوروبا، فقد برزت تجربة المملكة المتحدة خلال جائحة كوفيد-19 كنموذج مهم، حيث اعتمدت الحكومة على مراكز قيادة مركزية وغرف عمليات تعمل بشكل يومي، مدعومة بتحليل علمي مستمر للبيانات الصحية. وقد أسهم هذا النهج -رغم التحديات- في تحسين إدارة الموارد الطبية، وتوجيه قرارات الإغلاق وإعادة الفتح وفق مؤشرات دقيقة، بدلاً من القرارات العشوائية.
وفي آسيا، قدمت الصين نموذجاً مختلفاً يقوم على الحسم والسرعة المدعومة بالتكنولوجيا. فقد استخدمت أنظمة البيانات الضخمة والتتبع الرقمي لرصد انتشار الفيروس، واتخذت قرارات واسعة النطاق خلال وقت قياسي، ما ساعد على احتواء الأزمة في مراحلها الأولى. ورغم اختلاف السياقات السياسية، فإن التجربة الصينية تؤكد أهمية امتلاك بنية معلوماتية قوية قادرة على دعم القرار في الزمن الحقيقي.
وفي المقابل، كشفت بعض التجارب أن غياب هذا الجهاز أو ضعفه يؤدي إلى ارتباك واضح: قرارات متناقضة، رسائل إعلامية غير موحدة، وهدر في الموارد. وهي دروس لا ينبغي تجاهلها، خصوصاً في منطقة مثل الخليج، حيث أي خلل في إدارة الأزمات قد تكون له انعكاسات إقليمية واسعة.
من هنا، فإن المطلوب ليس مجرد «لجنة طوارئ» تُفعّل عند الحاجة، بل بناء منظومة دائمة لإدارة الأزمات، يكون جهاز دعم القرار أحد أعمدتها الأساسية. جهاز يعمل باستمرار، يرصد المخاطر، ويُحدّث السيناريوهات، ويُدرّب القيادات على التعامل مع أسوأ الاحتمالات قبل وقوعها. فالأزمات الحديثة لا تُدار بالعفوية، بل بالجاهزية المسبقة.
الكويت ودول الخليج، بما تمتلكه من مؤسسات راسخة وخبرة سياسية، مؤهلة لتبني هذا النموذج المتقدم. لكن ذلك يتطلب انتقالاً واضحاً من العمل المؤسسي التقليدي إلى حوكمة ذكية للأزمات، تُدمج فيها التكنولوجيا مع الخبرة البشرية، وتُربط فيها القرارات بالبيانات لا بالانطباعات.
إن بناء جهاز وطني لدعم القرار في الكويت ودول الخليج ليس ترفاً إدارياً، بل هو استثمار في أمن الدولة واستقرارها. فحين تكون الرؤية واضحة، والمعلومة دقيقة، والتحليل عميقاً، يصبح القرار أكثر توازناً، وتصبح الدولة أكثر قدرة على عبور الأزمات بأقل الخسائر.
وفي زمن تتسارع فيه الأحداث، لم يعد السؤال: هل ستقع أزمة؟ بل: هل نحن مستعدون لها؟