لقد ابتلينا في بعض مؤسساتنا بنوع من المدراء، يمكن أن نطلق عليهم وبكل ثقة لقب «أباطرة الكتالوج». هؤلاء لم يعودوا يعتمدون على الصراخ أو التوبيخ التقليدي لإثبات هيبتهم، ولكنهم نجحوا في تطوير ترسانتهم الإدارية واستبدلوا العصا الغليظة بأسلحة دمار شامل لغوية!

ادخل إلى أي قاعة اجتماعات اليوم، وراقب ذلك المدير ان كان من هذا النوع وهو يجلس في صدر الطاولة، يرشف قهوته ببطء، ثم يطلق في الفضاء مصطلحات من عينة: «الحوكمة»، «الاستدامة»، «المرونة المؤسسية»، و«المواءمة الإستراتيجية»... يلقي بهذه الكلمات الثقيلة وكأنه يوزع قطعاً من الألماس على الحاضرين، بينما يهز الموظفون رؤوسهم بانبهار مزيف، وكأنهم في حضرة فيلسوف إغريقي اكتشف للتو سر الخلود.

لكن الكارثة الحقيقية تبدأ عندما تتبخر غيوم هذا «الزار الإداري»، وتعود إلى مكتبك لتبحث عن أثر لهذه «الحوكمة» على أرض الواقع.

هل تعلم ماذا تعني «الحوكمة» بالنسبة لهذا النوع من المدراء؟ إنها مجرد «مكياج لغوي» يخفي خلفه عقلية إقطاعية من العصور الوسطى! هو يتحدث عن الحوكمة والشفافية وتوزيع الصلاحيات في العرض التقديمي (البوربوينت)، لكنه في الواقع الفعلي يدير القطاع وكأنه «عزبة» ورثها عن أجداده. لا ورقة تتحرك، ولا قرار يُتخذ، ولا قلم يُرفع إلا بتوقيعه الشخصي وموافقته المزاجية... الحوكمة في قاموسه هي «ديكور» لفظي يضعه على مكتبه بجانب درع التكريم البلاستيكية، أما في العمليات اليومية، فالمنهج المتبع هو: «نفذ ما أقوله لك ولا تناقشني».

أما مصطلح «الاستدامة»، فحدث ولا حرج.

لقد تحولت الاستدامة في أفواه هؤلاء إلى تعويذة سحرية تُقال لجلب الميزانيات. يطالبون بمشاريع «مستدامة»، وخطط «مستدامة»، بينما مؤسساتهم تعجز عن استدامة توفير ورق الطباعة في المكاتب! الاستدامة بالنسبة لهم لا تعني بناء نظام مؤسسي صلب يعيش أطول من عمر الأشخاص، بل تعني «استدامة» جلوسهم على الكراسي، واستدامة تدوير الفاشلة نفسها التي كُتبت في عام 1995، مع تغيير الغلاف فقط ووضع شعار ملون يرمز للبيئة أو التطور.

أمثال هؤلاء المدراء يعاملون المصطلحات الإدارية الحديثة كما يعامل المحدثون بالنعمة التحف الفنية؛ يشترونها ليضعوها في واجهة الصالون (الفاترينة) لكي يبهروا بها الضيوف، لكنهم لا يعرفون قيمتها الحقيقية، ولا يجرؤون على استخدامها.

جرب أن تحشر أحدهم في زاوية المنطق، واطلب منه أن يترجم هذه الكلمات الفخمة إلى «أدلة إجرائية» واضحة، أو خطوات عمل متسلسلة يمكن قياسها ومحاسبة المخطئ بناءً عليها... جرب أن تطلب منه دليلاً إجرائياً واحداً يعكس هذه «الحوكمة» المزعومة... ستجده يتصبب عرقاً، ويتهرب ببراعة، ثم يرمي لك جملته الخالدة: «يا أخي لا تعقدوا الأمور، خلونا ننجز المعاملات أولاً، ونحلها لاحقاً!».

إن المؤسسات التي تُدار بالحناجر المليئة بالمصطلحات الرنانة، والخالية من أي إجراءات أو هياكل أو خطط حقيقية، تشبه تماماً سلة من الفاكهة البلاستيكية اللامعة؛ تسر الناظرين من بعيد، لكنك إن حاولت أن تقضم منها تفاحة، ستكسر أسنانك على الفور.

نحن لا نحتاج إلى مدراء يحفظون القواميس الإدارية لترديدها كالببغاوات في الاجتماعات الصباحية، بل نحتاج إلى رجال إدارة حقيقيين، يدركون أن «الحوكمة» هي نظام صارم للمحاسبة قبل أن تكون كلمة للتباهي، وأن «الاستدامة» هي عمل شاق لبناء المستقبل، وليست مجرد هشتاج يُكتب في نهاية المراسلات الرسمية.

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.