تُعقد في واشنطن خلال الأيام المقبلة الجولة الثالثة من المحادثات التمهيدية على مستوى السفراء بين لبنان وإسرائيل في الطريق إلى مفاوضات رسمية مباشرة تريد الولايات المتحدة أن يكون المدخل إليها قمة ثلاثية تَجمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والرئيس اللبناني العماد جوزاف عون، الذي يَعتبر أن مثل هذا اللقاء، في حال اقتضى حصوله، يكون تتويجاً لاتفاقٍ تسترجع معه «بلاد الأرز» كل أراضيها المحتلة وأسراها لدى تل أبيب.

ويتم التعاطي مع الجولة الثالثة من المفاوضات التيسيرية التي كشف عنها عون، الاثنين، والتي كان ترامب، شخصياً حضر الجولة الثانية منها وأعلن في أعقابها تمديد وقف النار على جبهة لبنان لثلاثة أسابيع (حتى 17 مايو)، على أنها في سياق إفساح المجال أمام مزيدٍ من الوقت لبلورة مسار التفاوض المباشر الرسمي وإستراتجيته على المقلب اللبناني بعد توفير «أفضل الممكن» من التوافق الداخلي عليه، وأيضاً اتضاح إذا كان تَحَفُّظ الرئيس اللبناني النهائي على لقاء نتنياهو، في افتتاح المفاوضات يعني أيضاً سقوط إمكان عقد قمة ثنائية تجمعه بالرئيس الأميركي.

وفي الوقت الذي كان السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، يكرّر بعد لقائه البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، حضَّه رئيس الجمهورية على لقاء نتنياهو «فهو ليس بعبعاً»، متمسكاً بالحيثيات التي تَضَمَّنَها بيان سفارة بلاده قبل أيام حول اعتبار ذلك باباً لضماناتٍ من ترامب، أبرزها حيال سيادة لبنان على كل أراضيه.

وأكد أن «كل شبرٍ من الأرض سيعود إليه»، معتبراً ذلك سَحْباً لِما يقول «حزب الله» إنه مبرّر وجوده، فإنّه لم يُعْطِ إشاراتٍ تنمّ عن تداعياتٍ لموقف عون على الرعاية الاستثنائية من ترامب، للواقع اللبناني، وسط معطيات عن دور عربي ولعواصم غربية في إقناع واشنطن بتخفيف سرعة المسار التفاوضي بين بيروت وتل أبيب، لجهة مسألة القمة الثلاثية، بما يُلاقي سرعة تكيف الداخل اللبناني مع هذه العملية التاريخية التي لم يكن ممكناً حتى تَصَوُّر انطلاقها بالأمس القريب.

وإذ يضغط لبنان الرسمي عبر اتصالات متعددة الاتجاه بما في ذلك مع واشنطن لإلزام إسرائيل بالتزام وقف النار وإنهاء اعتداءاتها وانتهاكاتها التي تتمدد يومياً في عموم جنوب الليطاني وحتى شماله حتى باتت الإنذارات بالإخلاء تطول بلدات في عمق حتى 30 كيلومتراً، لم يكن عابراً، تأكيد عون، خلال استقباله وفداً من كتلة «القوات اللبنانية» تقدّمته النائبة ستريدا جعجع أن «لا عودة عن مسار المفاوضات لأن لا خيار آخر أمامنا»، و«أن الأهداف الموضوعة في أي مسار تفاوضي تقوم على الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة وإعادة الاسرى وهي الحقوق التي يطالب بها لبنان منذ سنوات»، مشدداً على «أن التوقيت غير مناسب الآن» للقاء مع نتنياهو، اذ «علينا أولاً ان نتوصل إلى اتفاق أمني، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية علينا، قبل ان نطرح مسألة اللقاء بيننا».

وأوضح عون «أن اللقاءات التي تجرى في واشنطن برعاية أميركية، هي انجاز مهم للبنان الذي يحظى باهتمام شخصي من الرئيس ترامب، وهذه فرصة كبيرة يجب الاستفادة منها»، لافتاً رداً على سؤال الى «أن الدول الشقيقة والصديقة ومنها السعودية، تساهم من خلال الاتصالات التي تجريها في مساعدة لبنان»، ومشيراً الى «أن المسار الذي قررته الدولة يصب في خانة جميع اللبنانيين، ولا يستهدف أي فئة، فالمعاناة تطال الجميع من دون استثناء، وقد تعب اللبنانيون جميعاً من الحروب ونتائجها الكارثية، وآن الأوان للجوء إلى الدولة».

التواصل مع بري

وأصرّ الرئيس اللبناني في معرض اجابته عن استفسار من أعضاء الوفد على اعتماد خيار الدبلوماسية «وخصوصاً بعدما أثبت خيار الحرب انه لم يؤت النتيجة المتوخاة منه»، موضحاً أن التواصل قائم بينه وبين رئيس مجلس النواب نبيه بري «ولم ينقطع يوماً، ورئيس المجلس يشعر كأي لبناني بالألم والحزن لِما يشهده لبنان حالياً وللخسائر البشرية والمادية التي يتكبّدها اللبنانيون عموماً والجنوبيون خصوصاً».

وجاء كلام عون، عن بري، بعد توتر هو الأعلى في علاقتهما خرج إلى العلن عشية لقاء رئاسي ثلاثي كان يفترض ان يجمعهما ورئيس الحكومة نواف سلام لبحث موضوع التفاوض ومحاولة إرساء إستراتيجية لبنانية لخوض هذا المسار، الذي شُقّ في شكل مستقلّ عن مسار إسلام آباد وبهدف تكريس فصل الجبهتين اللبنانية والإيرانية في منطلقات ومرتكزات «اليوم التالي» لكل منهما وحرمان طهران أن تجعل «بلاد الأرز»، من خلال حزب الله وإشعاله حرب إسنادها، ورقة على طاولة مفاوضاتها مع الولايات المتحدة عوض أن يكون لبنان جالساً حول طاولةٍ ناظمة لملفه ولا تراعي الا مصالحه العليا.

واعتُبر تردُّد بري، في المشاركة في لقاء رئاسي ثلاثي يغطّي عملياً مسار التفاوض المباشر، انعكاساً في جانب منه لصعوبة إعلانه أي نوعٍ من القبول بمثل هذا المسار الذي يرفع «حزب الله» منسوب الاعتراض عليه في شكل متدحرج، وصولاً إلى افتعال مناصريه «حرباً شعواء» من الإساءات للبطريرك الراعي على خلفية فيديو بثته أحدى قنوات التلفزيون المحلية واعتبروه مسيئاً للشيخ نعيم قاسم، قبل أن يظهّر الحزب بالسلاح وإطلاق النار في الضاحية الجنوبية والتصدي لمحاولة الجيش اللبناني توقيف مسلّحين روّعوا الناس خلال تشييع ضحايا، أن لبنان الرسمي لا يملك ورقة سلاحه وأن كل ما يمكن أن تصل اليه المفاوضات مع إسرائيل سيبقى حبراً على ورق ما دام مرتكزه تفكيك ترسانته وما دام يأتي من خارج المسار الإيراني – الأميركي الذي «لا يعترف» إلا به، علماً أنه يعني «بالعربي الفصيح» القبول بمفاوضات طهران المباشرة مع «الشيطان الأكبر».

عيسى والراعي

وفيما كان بري نفى ما نُقل عنه من كلام وبعض ما فيه أنه سأل تعليقاً على بيان السفارة الأميركية الذي دعا إلى لقاء يجمع عون ونتنياهو «هل انتقلنا من عنجر (حيث كان مقر المخابرات السورية زمن نظام الأسدين) إلى عوكر (حيث مقر السفارة الأميركية)»، فإن السفير ميشال عيسى، استبق زيارة قام بها لرئيس البرلمان بالإشارة بعد محطته عند الراعي إلى أنه سيستوضح برين هذا الكلام «وأنا أحترم رئيس البرلمان كثيراً وأعلم أنه يقوم بكل ما بوسعه لتسيير أمور البلد على الطريق الصحيح. سأراه اليوم وأظن انه سيكون هناك حديث بيننا سيمكنني من معرفة ما قصده بعوكر».

وأشار إلى أن «لقاء بري هو لمعرفة لماذا لا يزور رئيس الجمهورية ومعرفة أين يكمن الإشكال. لقد كان هناك تنسيق ولا أعلم لماذا توقف ولا اعرف لماذا في لبنان لا يتحدث الرؤساء مع بعضهم البعض؟».

وكان عيسى، استهل كلامه بإعلان أن هدف زيارته للبطريرك الماروني هو «التعبير عن كل الدعم والاحترام الذي يستحقه وعن عدم اعجابي بما حصل في عطلة الأسبوع. وأعتقد ان هذا الأمر غير مناسب في لبنان لأن على العالم ان يعلم ان لبنان هو البلد المعروف بالعيش المشترك أي ان كل الديانات فيه تعيش مع بعضها البعض. وكما علمت فقد تلقى غبطة البطريرك رسائل كثيرة ومواقف كثيرة تدعمه وتستنكر التعرض له. واظن ان الأشخاص الذين نفذوا هذا الأمر قد لا يكون لبنان مناسباً لهم ولذلك فليبحثوا عن بلد يعيشون فيه غير هنا. ويهمني ان يعلم الجميع اننا في اميركا أيضا لا يعجبنا هذا الأمر أبداً».

وعن إمكان زيارة رئيس الجمهورية الولايات المتحدة واشتعال الأمور في الداخل نتيجة هذه الزيارة، وتوسع الاعتداء الإسرائيلي في حال عدم الذهاب، أكد عيسى: «بالنسبة لي اذا زار رئيس الجمهورية الرئيس ترامب ما من خسارة. فالرئيس يمكنه الذهاب وعرض طلباته بوضوح أمام الرئيس ترامب وأمام نتنياهو وعندها يكون الرئيس ترامب الشاهد. وبعد عودة الرئيس إلى لبنان يمكننا البدء بالمفاوضات. لا أعلم لماذا يعتبر الناس ان هذا الأمر هو خسارة او تنازل. ولا أفهم ما هو هذا التنازل».

وعن أن الإشكالية تكمن في وجود نتنياهو، رد عيسى «هل نتنياهو بعبع ؟ انه مفاوض ثان».

وحول التنسيق الداخلي بين الرؤساء قبل الذهاب إلى المفاوضات، أوضح «أن رئيس الجمهورية سيذهب ليضع كل طلبات لبنان، وأنا كنتُ تحدثت مراراً عن سيادة لبنان على أراضيه وأن يستعيد كل شبر من أرضه، وهذا هو الأهم. وعندما تعتمد اميركا، وتقول إسرائيل انها لا تريد اي قطعة ارض من لبنان وإنما تريد السلام لديها، فهذا يعني أن لا مبرر لوجود حزب الله بعدها. واذا أراد البقاء فهذا يعني أن مواله ليس الأراضي اللبنانية وإنما أمر آخر، وهذا ظاهر على ما أعتقد. في الوقت الحالي تتركز جهودنا على ان يفهم لبنان أن أميركا تساعد وهي تريد الحفاظ على استقلال واقتصاد وشرف لبنان، وانا شخصيا مع الحكومة الأميركية نحاول أن نقول للعالم أجمع هذا الأمر».

«حزب الله»

ولم يكد أن يجف حبر كلام السفير الأميركي حتى طالب «حزب الله» بلسان نائبه علي عمار باعتبار عيسى «شخصاً غير مرغوب فيه، وأن يرسلوه إلى أحد معاهد الدبلوماسية علّه يتعلم أصول وآداب ولياقات العمل والحديث الدبلوماسي»، مديناً بشدة «التدخل السافر للسفير الأميركي في الشؤون اللبنانية ودعوته إلى تهجير اللبنانيين من بلدهم على غرار ما يقوم به العدو في الجنوب، وهذا الكلام الفتنوي التحريضي العنصري والمقيت يكشف الدور التخريبي للإدارة الأميركية ضد بلدنا».

وكان الأمين العام لـ «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم جدد في بيان، تأكيد أنّ «التفاوض المباشر يشكل تنازلاً مجّانيّاً بلا ثمار، وخدمة لكل من رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو الذي يريد رسم صورةَ نصرٍ بالصورة والموقف مع استمرار العدوان، وخدمة لترامب قبل الانتخابات النصفية»، معلناً «نحن مع دبلوماسية التفاوض غير المباشر الذي أعطى نتائج في الاتفاق البحري واتفاق وقف النار، وأبقى قدرات لبنان التي هي حقٌ له».

وسأل «هل يوجد بلد في العالم تتفق سلطته مع العدو على مواجهة مقاومة البلد للاحتلال؟ لا يوجد. تعالوا نواجه أهداف العدو وتحرير الأرض بوحدتنا الداخلية».

وقال إن «أربعة مؤثرات تُساعدنا على اجتياز هذه المرحلة: استمرار المقاومة – والتفاهم الداخلي - والاستفادة من الاتفاق الإيراني الأميركي – والاستفادة من أي تحرك دولي أو اقليمي يضغط على العدو»، مضيفاً: «ليضع العالم نُصب عينيه أنَّه لن يكون الحل بالاستسلام. الحل مع العدو لا يكون بهندسة لبنان سياسياً وعسكرياً كبلدٍ ضعيف تحت الوصاية، ولا بالدبلوماسية المكبّلة باستمرار العدوان وضغط الطغيان وعدم تطبيق الاتفاقات».

سلام: نؤكد العمل على حصر السلاح بيد الدولة

- إطلاق النار في الضاحية الجنوبية يؤثر على أمن مطار بيروت

مضت الدولة اللبنانية في مسار تحصين البلاد أمنياً وتظهير الثبات على قراراتها ذات الصلة بسحب سلاح «حزب الله»، وصولاً لجعل بيروت منزوعة السلاح.

وفي السياق، جاء الاجتماع الذي عقده مجلس الأمن المركزي في وزارة الداخلية، بحضور رئيس الحكومة نواف سلام والوزير أحمد الحجار، وقادة الأجهزة الأمنية وتم خلاله «البحث في الشؤون الأمنية وتطبيق قرارات مجلس الوزراء بحصر السلاح في العاصمة».

وإذ أكد الحجار، بدء تطبيق هذه القرارات، موضحاً أن «الاجتماع هدفه متابعة مراحل التنفيذ وتعزيز وجود الدولة بمزيد من الإجراءات»، قال: «بحثنا في ما حصل الأحد من إطلاق نار وقذائف RPJ بالهواء خلال مراسم تشييع (في الضاحية الجنوبية)، وهو أمر يمس بأمن المطار والمواطنين».

وحرص سلام، على الحديث بعد الاجتماع، مشدداً على أن «قرار حصر السلاح هو مسار لا تراجع عنه، ولا يتم بين ليلة وضحاها، وقد يتطلب أسابيع وأشهر».

وقال إن «قراراتنا تُنفّذ والمطلوب التشدد بها، وكنّا نتمنى لو نُفّذت أسرع لكن هذه إمكاناتنا، وبالنسبة للمفاوضات فلا مفاوضات بعد وما يحصل هي لقاءات تمهيدية، وبيان الخارجية الأميركية (بعد الجولة الثانية التيسيرية في واشنطن) حُمّل أكثر مما يلزم، والطرف اللبناني عبّر عن موقف نجمع عليه في مجلس الوزراء».

وفيما شدد على «أننا نريد الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية»، رأى أنه «ليس مطلوباً وضع الجيش اللبناني في مواجهة أي طرف لكن يجب تطبيق القانون»، مضيفاً أن «حوادث إطلاق النار (الأحد) غير مقبولة ولها تداعيات خطيرة وهناك توقيفات سواء بتهم نقل سلاح أو تجول من دون أوراق أو سيارات ودراجات مخالفة».

وتابع:«الظروف التي تمر بها البلاد تقتضي تعزيز الجهود وتكثيف الحواجز الثابتة أو المتنقلة في بيروت».