«وقل ربِّ زدني علماً»
أخي العزيز...
لو نظرت إلى البحر يوماً بتفكر وتدبر، لرأيت العجب، مياه ممتدة إلى مسافات بعيدة قد تصل إلى آلاف الكيلومترات، تبدأ من الساحل بمياه ضحلة، وتنزلق إلى العمق بمسافات عميقة، قد تصل إلى كيلومترات عدة، فيه من المخلوقات البحرية أنواع وأشكال وألوان لا يعلمها إلا الله.
سطحه واسع جداً لكي يتبخر منه الماء فيكوّن سحاباً يرجع إلى الأرض، مطراً صافياً يسقي به الله العزيز الحكيم البلاد والعباد والحيوان والشجر، إذا هاج بأمر ربه دمّر المدن والقرى في وقت قصير وتركها أنقاضاً تنعى مَنْ بناها، وإذا كان هادئاً كان ملاذ الشعراء في شعرهم، مياهه مالحة بشدة لحكمة من رب العالمين، ولكي يبقى دائماً بعيداً عن العفونة والتغير المستمر.
وفي قاعه اللؤلؤ والمرجان تعريف جال في الخاطر عن البحر، عموماً، وكما نعلم جميعاً فإن هناك مساحات كبيرة من البحار تُعرف بالمحيطات، وهي في العدد خمسة: أولها وأكبرها وأعمقها المحيط الهادي، ويقدّر معدل عمقه بحوالي 4282 متراً وفيه أعمق نقطة على سطح الأرض وتُسمى خندق مريانا، ويُسميها العلماء بوابة جهنم، وبعمق حوالي 11521 متراً، أما المحيط الثاني: فهو المحيط الأطلسي ويقدّر عمقه بحوالي 3868 متراً، والمحيط الثالث: وهو المحيط الهندي ويقدّر عمقه بحوالي 3963 متراً، والمحيط الرابع: وهو المحيط المتجمّد الشمالي ويقدّر عمقه بحوالي 1526 متراً، وآخرها هو المحيط المتجمّد الجنوبي، ويقدّر عمقه بحوالي 6972 متراً.
أعماق هائلة لا يعلم ما بداخلها إلّا مَنْ خلقها، مع المحاولات الجادة من الإنسان لاكتشاف المجهول فيها بالتقنية الحديثة.
أخي العزيز!
هل فكرت يوماً بهذه المحيطات العميقة، مثلاً خندق مريانا؟ عمقه حوالي 11 كيلو متراً داخل مياه البحر، وإذا كانت قمة ايفرست وهي قمة أعلى جبل على الأرض بارتفاع 8848 متراً قد وضعت في أعمق نقطة في خندق مريانا فسيظل هناك 2076 متراً فوقها، هل قدرت هذا العمق؟ لا تعجب فإن في خلق المجرات وما تحويه من نجوم وشموس وكواكب ومذنبات وغيرها الكثير، كم نحن فقراء، كم نحن ضعفاء، أمام خالق الكون ومبدعه.
يا أخي
لا يكن همنا الأكل والشرب واللبس فقط، تفكّر في هذا الكون الواسع وفي هذه المخلوقات العظيمة، تفكّر في خلق الله العزيز الحميد، تزدد يقيناً على يقينك، وحباً لربك على حبك، وطاعة لربك على طاعتك، أما الذاكرون الله تعالى فتتوالى عليهم النعم وهم أصلاً في نعمة عظيمة في ذكرهم لله «ألا بذكر الله تطمئن القلوب» الرعد 28.
قول مَنْ كانت القلوب بيده يقلّبها كيف يشاء، سعادة أو شقاء، حباً أو بغضاً، صفاءً أو كدراً، الأضداد كلها عنده سبحانه لا إله غيره فكن منهم تسعد، ولا تبتعد عنهم فتشقى، وتُشقي معك مَنْ حولك، واجعل همك هماً واحداً يكفيك الله به كل الهموم.