خلجات

دولاب الزمان

تصغير
تكبير

يضع الإنسان لنفسه خططاً وأهدافاً وإستراتيجياتٍ ورؤى يومية وأسبوعية وشهرية وسنوية، وحتى على مستوى العبادات التي أخضعها لجدول الترتيب والخطط، ومنها ما هو مرنٌ، ومنها ما يخضع لمحاسبته الشخصية وقبوله لنفسه وتقييمه لذاته؛ فإذا اعترضه عارضٌ من الدنيا، صحي أو نفسي أو فتورُ همةٍ، ضاقت به الدنيا وتغيّرت مقاييسه النفسية التي ربما تحوّلت إلى جلدٍ للذات بعد جلساتٍ من اللوم والمحاسبة والمحاكمة،

لا استغفار ودعاء... لا استشعار الضعف الذي جُبلت عليه طينته.

يتعرّض الإنسان في الدنيا لعوارض خارجية وداخلية، اجتماعية ونفسية، روحية وقلبية، قد تشتت تركيزه وتشوش رؤيته، وقد تبعثر أوراقه المرتبة، فيفقد الثقة برؤيته وأهدافه، واختياراته ومن ثم بنفسه. والتساؤل الذي يحوم حول قلبي: «وهل الثقة إلا بالله؟ أم بالنفس؟!». الظروف التي تعترض حياة المرء قد تكون لصالحه ظروفاً أو قلباً وروحاً، لو أدرك كيف يُسلم للأقدار ويبعثر أوراقه المرتبة وجداوله وخططه وتراتيبه، ويفرغ قلبه منه ومن خططه وتراتيبه ومزاجه؛ لكي يعرف كيف يملأ فراغ قلبه الذي امتلأ بأهدافه وظنه بنفسه وقدرته على الظروف، لا بالله الذي هيأ له الظروف؛ فتفريغ النفس والقلب، وتجديد الميل والهوى والغاية والمقصد -مهما خططت واستهدفت وتوجهت- فالله كفيلٌ بخلق ظروفٍ تزلزل كلية قلبك، فإن استسلمت عرفت قدر الذي قدّر لك الأقدار، وملأت قلبك به لتحسن توجهك له، وجعلته نصب عينيك في ما تفعل وتنوي.

الإنسان طفلٌ لا يرى الحياة إلا كما يرى اللعب؛ طفلٌ ملولٌ يريد الإثارة بعد الإثارة، والجديد إثر الجديد، وكل ما حوله يخضع لهوى نفسه اللعوب. فإذا اعتاد على الترتيب والتنسيق ظن بالحياة كما يرى اللعب، وأن الملل والضغوط عارضة، ولا يعرف من الله إلا طلباته وغاياته، ورؤيته لإنجازاته وتوفيقه، ناسياً أن الله يُعرف بالضيق ونقض العزائم وإنزال البلاء؛ فلا أهداف تُرجى، ولا إستراتيجية تعين، ولا خطط تغني أمام إرادة الله، لو أرادك أن تعرفه بضيقٍ أو نقض عزيمةٍ عزمت عليها.

فلو قارن الإنسان بين معرفته لله بالله وظنه بنفسه، أو معرفته لله بانكساره ونقض عزيمته، لعرف الخير أين ومن هو وحقيقة ماهيته، وأي معرفة أحق أن تُعرف، وأي قبلةٍ أولى أن يستقبلها قلبه في حركاته وسكناته وجميع أوقاته وأحواله.

إنّ القلب الممتلئ بالزهو بـ«الأنا» في الإنجاز والترتيب قلما يدرك إدراكاً كاملاً حقيقة التوفيق، والقلب الفارغ أيضاً يبحث في الدنيا والدنايا عما يُسليه ويرغبه ويقنعه بحلاوة الحياة. وما أظن أن حقيقة الحياة وحلاوتها إلا بتقلب أحوالها، وفرحة بالعطاء ورضا على البلاء؛ فساعةٌ وساعةٌ، تضيق وتصفو، فلولا الضيق ما عرفنا السعة، فيدرك الحصيف أن أحد أندر أشكال العبادة الصبر على أحوال الحياة وتقلباتها، وإعادة ترتيب الأمور كلما بعثرت ترتيبك الأقدار، فيلين لها ولبعثرتها التي ستعينك هي -ببعثرتها- على إعادة ترتيبك، لو أيقنت بداخلك أن الأقدار ما بعثرت إلا لترتب، وما ضاقت إلا لتتسع، وما تكدرت إلا لتصفو، ولكن بشكلٍ قد لا تدركه حالاً وآنياً شكله وحقيقته.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي