يجود الإنسان على نفسه بكثرة المعارف والعلاقات الاجتماعية، دون حسيبٍ أو رقيب، ودون حسابٍ لضوابط العلاقات ومتطلباتها، وتعقّب أبعادها النفسية والفكرية والدينية؛ والأعجب من ذلك أن يكون دون معرفةٍ بحقوقها وواجباتها عليه. فقد يكون بذلك جانياً على نفسه بما يُثقِل كاهله؛ إمّا بالمسؤوليات التي يضطرّ للهروب منها إن لم يكن مدركاً لها، أو بالحساب الأخروي عليها، أو بادّعاء خيبات الأمل تجاه ما لقيه منهم، متناسياً في الأصل أنه تعرّف عليهم دون فكرٍ راقٍ أو هدفٍ سامٍ يعود عليه بالخيرية الإنسانية. مما يجعله إنساناً يعتزل الناس، مدّعياً السكينة والهدوء والبُعد عنهم، متشدّقاً بالمفرّ الذي شابه الخذلان؛ فيكون معتزلاً بعد أن اكتفى من تجربته، سواءً بما يريد أو بما لا يريد، فالمهم أنه أقنع نفسه بأنه اكتفى، مستدلاً بمشيب رأسه على الحكمة إثر تقلّبات السنين.

بينما هناك مَنْ دخل مع المجتمع حبّاً وتصافياً وتصالحاً وودّاً، ولكن إلى حدٍّ معيّن؛ إذ أصبحت نبرة العامة لا تخاطب فهمه فحسب، بل لا تخاطب قلبه وروحه، اللذين أصبحت لهما لغةٌ وفهمٌ قد يصعب أن تجد مَنْ يفهمهما ويأنس بقربهما، حتى وإن قصر الحديث بينهما. فلا الكلام كلام، ولا الفهم فهم، ولا الأنس أنس، ولا القرب قرب. فإن تعذّر عليه وجود هؤلاء — وغالباً ما يتعذّر — تجده يأنس بخلوته، رغم انجباره عليها بدايةً، ثم ينعزل باختياره، مستأنساً في مملكةٍ يحلّق فيها بين علمٍ أو ثقافة، أو حبٍّ وعشق، أو اتصالٍ بما لا يفهمه الفاهمون، ويُحجب عن نيله المتعقّلون.

وقد تقود دفّة الحياة وضغوطها وابتلاءاتها، قسراً، المرءَ إلى البُعد عن المجتمع؛ فلا يُجيد الخوض في كل حديثٍ مع الخائضين، ولا يُجادل المجادلين، فينعزل بلا رغبةٍ في الانعزال، وينطوي دون رغبةٍ في الانطواء، ويبتعد دون حاجةٍ إلى البُعد، خصوصاً إن كان ممَنْ لا يألف العزلة طبعاً ولا اعتياداً، ولا يظن أنه يأنس بها يوماً؛ فيضطرّ إليها اضطراراً، فيرضى بها ويرضى عنها، فيفتح الله عليه بالأنس به، مستمتعاً منشرحاً بما أفاء الله عليه في ظلها، بعد لهيب شمس المجتمع وابتلاءات الاختلاط غير الصادق المبني على غير أسس.

وعادةً ما يجد هذا المُجبَر، المختار للتصالح مع عزلته، ما لا يجده من جُبِل على العزلة طبعاً واعتياداً؛ من لذّةٍ لمخالفته هوى نفسه وصنم عادته وأسطورة فكره، حتى يعرف الفرق الدقيق بين العادة والعبادة، وبين النية التي تقوده إلى الفعل، لا الفعل ذاته، والغريزة التي تدفعه؛ فتنقلب عنده المحرّكات الباطنة الدافعة للعمل والمقصد والوجهة والغاية والمراد، فتُبنى على أساسٍ متين. وإن لم يفعلها، فقد قيل: نيةُ المرء خيرٌ من عمله.

أعتقد أن الهالات السوداء من الأفكار والتصرفات التي يبرزها المجتمع تحتاج إلى مراجعةٍ وتحليلٍ وتدقيق؛ ليس من بعضنا لبعض، ولا من كلٍّ منّا على الآخر، بل من الإنسان على نفسه. فإن لم يستطع، فالعزلة خير وسيلةٍ ومعين، والصدق مع النفس خير جليسٍ ومؤنسٍ على مصارحتها ومكاشفتها بعيوبها؛ للتقوّي عليها، ليزداد الإنسان قوّةً وتحمّلاً لأثقال ما اختصّه الله بحمله، لا ما يُلقيه عليه الناس من أعباء أوهامهم وتخيّلاتهم ومجادلاتهم وسوء ظنونهم ومستحدثات تصرّفاتهم وصيحاتهم، مطالبين كلّ شخصٍ باتّباع سننهم وأفعالهم دون تحقّقٍ أو اختيار.