بعد مرور نحو 10 سنوات على إطلاق رؤية السعودية 2030، تقترب المملكة من محطة مفصلية في مسار تحولها الاقتصادي، مع انتقالها إلى المرحلة الثالثة من تنفيذ الرؤية، بعد أن أرست مرحلتان سابقتان أسس الإصلاح، ودفعتا عجلة النمو، ومهدتا الطريق لاقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة، ما يمكن معه القول إن الإستراتيجيات الوطنية في السعودية لم تعد مجرد خطط طويلة الأجل، بل أدوات تنفيذية ديناميكية تعيد رسم ملامح الاقتصاد بمزايا تنافسية مع الاقتصادات العالمية لجذب الاستثمارات.

وفيما أعلنت السعودية صدور التقرير السنوي لرؤيتها عن 2025، تزامناً مع الذكرى العاشرة لإطلاقها، تظهر الأرقام تخطي الناتج المحلي الإجمالي للمملكة حاجز 4 تريليونات ريال ليصل نحو 4.9 تريليون بنهاية 2025، متجاوزاً مستهدفاته المرحلية، في انعكاس مباشر لنجاح سياسات التنويع الاقتصادي وتسارع نمو القطاعات غير النفطية، وارتفعت مساهمة القطاع الخاص بالناتج المحلي الإجمالي إلى 51 %، مقارنة بنحو 44 % عند انطلاق الرؤية، حيث يعكس هذا التقدم تعمّق دور القطاع الخاص كمحرك رئيسي للنمو الاقتصادي في السعودية.

تسارع التدفقات

ومن الواضح أن الاقتصاد السعودي يواصل تحقيق تقدم لافت في مؤشرات النمو والتنوع الاقتصادي، حيث سجل الناتج المحلي الإجمالي مستويات تاريخية، مدفوعاً بتوسع دور القطاع الخاص، ونمو الاستثمارات، وتضاعف حجم الأصول السيادية، إلى جانب تسارع تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

وبهذه المناسبة أكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، أن المملكة تمضي بثبات نحو مستقبل أكثر ازدهاراً، مستندة إلى ما تحقق من إنجازات نوعية ضمن رؤية السعودية 2030 منذ إطلاقها قبل نحو عقد، مضيفاً أن المملكة تسعى لأن تكون نموذجاً عالمياً في استغلال طاقاتها وثرواتها ومميزاتها، بما يعزز مكانتها الاقتصادية والتنموية على الساحة الدولية.

وشدد الملك سلمان، على أن مستهدفات الرؤية تركز على تحقيق تنمية شاملة ومستدامة يلمس أثرها المواطن السعودي بشكل مباشر، من خلال تحسين جودة الحياة، وتعزيز الفرص الاقتصادية، ودعم القطاعات الحيوية، موضحاً أن ما تحقق السنوات الماضية يعكس نجاح مسار التحول الوطني، وأن المملكة تمضي قدماً في تنفيذ برامجها ومبادراتها الطموحة، بما يرسخ دعائم اقتصاد متنوع ومستدام.

رفعة المملكة

من جانبه، قال ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء، الأمير محمد بن سلمان: «مع مرور عقد على إطلاق رؤية السعودية 2030 نضع نصب أعيننا مزيداً من الرفعة لبلدنا، وسنعمل على تكثيف خططنا وأدواتنا لتعزيز المكتسبات وضمان الاستدامة، كما الإنجاز المحقق بالأعوام الماضية يضعنا أمام مسؤولية كبرى لمضاعفة جهودنا».

وتابع: «حولنا الرؤى إلى واقع بإرادة أبناء وبنات وطننا ومؤسساتنا الفاعلة»، مؤكداً أنه «مع مرور عقد على إطلاق الرؤية قدمنا نموذجاً استثنائياً بتحويل الرؤى لواقع».

إعادة هيكلة

ومنذ إطلاق رؤية السعودية 2030 في 2016، تبنت المملكة نهجاً إستراتيجياً متكاملاً لإعادة هيكلة اقتصادها، قائماً على إطلاق حزم من الإستراتيجيات الوطنية التي تستهدف مختلف القطاعات والمناطق. ومع تسارع وتيرة التحول، برزت هذه الإستراتيجيات كأدوات تنفيذية حاسمة، تقود النمو المستدام، وتفتح آفاقاً جديدة للاستثمار والتنمية في واحدة من أكبر عمليات التحول الاقتصادي في المنطقة، حيث تعكس مؤشرات الأداء تقدمًا لافتًا في تنفيذ مستهدفات الرؤية حيث حققت 93 % من المؤشرات مستهدفاتها السنوية أو قاربت عليها.

ووضعت الرؤية منذ انطلاقها الأسس لإصلاحات هيكلية عميقة، عبر برامج تحقيق الرؤية ومبادرات إستراتيجية تهدف إلى إعادة تشكيل الاقتصاد والمجتمع. ومع مرور الوقت، لم يعد التركيز مقتصراً على الإصلاح، بل انتقل إلى تعظيم الاستفادة من الإمكانات الكامنة في القطاعات المختلفة، عبر إطلاق إستراتيجيات وطنية متخصصة تغطي طيفاً واسعاً من الأنشطة الاقتصادية.

ولا تعمل هذه الإستراتيجيات بمعزل، بل تتكامل لتشكّل منظومة متماسكة تضمن تحقيق نمو متوازن، وتدعم التحول نحو اقتصاد متنوع ومستدام، مع تعزيز دور القطاع الخاص كشريك رئيسي في التنمية، وأسهمت هذه المقاربة في دفع عجلة النمو بقطاعات متنوعة، تشمل السياحة، والثقافة، والطاقة المتجددة، والتعدين، والصناعة، إلى جانب الاقتصاد الرقمي، ما عزز مكانة المملكة كمركز اقتصادي إقليمي وعالمي، فيما تعكس حزمة إستراتيجيات المملكة اتساع نطاق التحول، من القطاعات التقليدية إلى القطاعات المستقبلية، بما يعزز الابتكار ويخلق فرصاً جديدة للنمو.

تملك المساكن يتجاوز 66 %

وتشهد مؤشرات جودة الحياة في السعودية تحسناً ملحوظاً ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030، مع تقدم واضح في نسب تملك المساكن، وتوسع خدمات الرعاية الصحية، وارتفاع متوسط العمر، إلى جانب تحسن مستويات النشاط البدني لدى مختلف الفئات العمرية.

وسجلت المملكة ارتفاعاً كبيراً في نسبة تملك الأسر السعودية للمساكن، حيث بلغت أكثر من 66 % بنهاية 2025، متجاوزة مستهدف العام، مقارنة بـ 47 % في 2016، ما يعكس نجاح برامج الإسكان في تعزيز الاستقرار الأسري ورفع جودة الحياة.

تراجع البطالة... المستهدف يتحقق مبكراً

وأظهر التقرير السنوي لرؤية السعودية 2030، أن مؤشر البطالة يعد أحد المؤشرات التي تضمنتها وثيقة الرؤية، وقد حقق مستهدفه لعام 2030 عند 7 % قبل أوانه بنهاية 2024.

وحسب التقرير الصادر عن 2025، فإن بيانات المؤشر حُدّثت وفقاً لتحديث بيانات التعداد السكاني في 2024 بناءً على تعداد السعودية 2022؛ بهدف تقديم قراءة أكثر دقة تعكس التقدم المشاهد في توليد الوظائف، إلا أن معدل البطالة بين السعوديين سجل 7.2 % بنهاية 2025.

وذكر التقرير، أن الإصلاحات الاقتصادية ساهمت في انخفاض معدل البطالة بين السعوديين؛ إذ كان للسياسات المتبعة في توطين الوظائف وتوليد فرص العمل أثر بالغ في ذلك، مدعومة بمبادرات إستراتيجية سوق العمل وبرنامج تنمية القدرات البشرية، التي عملت على تقليص الفجوة بين مهارات طالبي العمل والمهارات المطلوبة في سوق العمل. إلى جانب التوسع في تنمية القطاعات وإيجاد فرص الاستثمار، ما رفع عدد السعوديين العاملين في القطاع الخاص إلى أكثر من 2.5 مليون موظف بنهاية 2025.

كما ساعدت الإصلاحات الاجتماعية في تمكين عمل المرأة السعودية وإيجاد الفرص لها، ما انعكس إيجاباً على المؤشر بانخفاض معدل البطالة بين السعوديات مسجلاً 10.3 % عند أدنى مستوى تاريخي.

السعودية ضمن أكبر 10 دول تعديناً...عالمياً

أبرز التقرير التقدم المتسارع الذي تحققه المملكة في القطاعات الاقتصادية الإستراتيجية، وفي مقدمتها التعدين والصناعة والخدمات اللوجستية والتحول الرقمي، بما يعكس تعمق مسار التنويع الاقتصادي ورفع تنافسية المملكة عالمياً.

وسجلت المملكة تقدماً نوعياً في قطاع التعدين، حيث جاءت ضمن أكبر 10 دول عالمياً في مؤشر الاستثمار التعديني الصادر عن معهد فريزر الكندي، ما يعكس تحسن البيئة الاستثمارية في هذا القطاع الإستراتيجي، كما ارتفعت قيمة الثروة المعدنية المقدرة 90 % لتصل نحو 9.4 تريليون ريال، مقارنة بـ 4.9 تريليون سابقاً.

قفزة تاريخية في الصادرات غير النفطية

سجلت الصادرات السلعية غير النفطية في السعودية مستوى تاريخياً، حيث تجاوزت 363 مليار ريال 2025، مقارنة بنحو 178 ملياراً 2016. وتؤكد الأرقام تحقيق نمو يتجاوز 100 % خلال أقل من عقد.

كما شهدت المملكة تقدماً لافتاً في مؤشرات التنافسية العالمية، حيث قفزت بأكثر من 20 مرتبة في مؤشر التنافسية العالمي، لتحتل المرتبة 17 عالمياً، ودخلت السعودية قائمة أفضل 20 اقتصاداً عالمياً من حيث التنافسية.

1.2 تريليون ريال

استثمارات صناعية

شهد القطاع الصناعي بالمملكة توسعاً كبيراً، حيث ارتفع عدد المصانع من 7206 لأكثر من 12900 بنهاية 2025. كما بلغ حجم الاستثمارات الصناعية نحو 1.2 تريليون ريال، ما يعكس تسارع وتيرة التصنيع المحلي وتعزيز سلاسل القيمة داخل الاقتصاد الوطني.

وفي قطاع الخدمات اللوجستية، ارتفع عدد المراكز اللوجستية المفعلة إلى 24 مركزاً، بالتوازي مع تحسن كبير في كفاءة الإجراءات الجمركية، وانخفض متوسط زمن الفسح الجمركي من 9 ساعات لأقل من ساعتين، ما أسهم في تسريع حركة التجارة وتقليل تكاليف سلاسل الإمداد.

المملكة الأولى بالجاهزية

الرقمية... عالمياً

عززت المملكة موقعها في الصدارة، كقوة اقتصادية وصناعية وتقنية صاعدة على مستوى العالم حيث حققت المرتبة الأولى في مؤشرات دولية عدة، من أبرزها: مؤشر تنمية الاتصالات والتقنية، ومؤشر الجاهزية الرقمية، ومؤشر الأمن السيبراني.

ويعكس ذلك نجاح إستراتيجية التحول الرقمي في بناء بنية تحتية تقنية متقدمة ومرنة. تؤكد هذه المؤشرات أن التحول الاقتصادي ضمن رؤية السعودية 2030 لم يعد مقتصراً على النمو الكمي، بل امتد ليشمل إعادة تشكيل بنية الاقتصاد السعودي، عبر تعزيز التعدين والصناعة والخدمات اللوجستية والتحول الرقمي.

الاستثمار الأجنبي يقترب من مستهدفاته رغم التحديات

أظهر التقرير أن مؤشر الاستثمار الأجنبي كنسبة للناتج المحلي الإجمالي في السعودية يُعد أحد مؤشرات الوعود التي تضمنتها وثيقة الرؤية، وقد مرّ بمراحل متعددة لتحسين جودة البيانات وتعزيز شفافيتها، موضحاً أن هذه المراحل شملت التشاور مع المنظمات الدولية ذات الاختصاص، مثل صندوق النقد الدولي؛ ليسهم ذلك في تبني المملكة منهجية في احتساب إحصاءات الاستثمار الأجنبي المباشر تزيد دقة قراءة بيانات المؤشر وفقاً لأفضل الممارسات العالمية.

ووفقاً لآخر قراءة للمؤشر، ارتفعت قيمته من 1 % عام 2017 إلى 2.85 % في 2024، محققاً نحو 98 % من مستهدفه السنوي بفارق طفيف، ورغم ارتفاع التدفقات 2024 سنوياً بمعدل 24 %، فإن ذلك لم يكن كافياً مقارنة بمعدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الذي بلغ 3 % خلال الفترة ذاتها؛ إذ يتطلب ذلك نحو 17.2 مليار ريال إضافية من التدفقات لتحقيق المستهدف السنوي.

ويُعزى عدم نمو تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة بما يوائم تحقيق المستهدف إلى التباطؤ في بيئة الاستثمار العالمية، إلى جانب محدودية وضوح البيئة الاستثمارية، ورغم ذلك، شهدت الاستثمارات الأجنبية توسعاً وتنوعاً خلال السنوات الأخيرة، متدفقة إلى مختلف القطاعات ومدن المملكة، ما سيكون حافزاً لاستقطاب المزيد من الاستثمارات الأجنبية مستقبلاً؛ لمواكبة هذه الوتيرة المتسارعة حتى تحقيق مستهدف 2030.

منظومة حكومية متكاملة بشراكة وثيقة مع القطاع الخاص

تعتمد إستراتيجيات المملكة على منظومة حكومية متكاملة، تعمل بشراكة وثيقة مع القطاع الخاص، لضمان تنفيذ فعّال وتحقيق مستهدفات واضحة، كما تواكب هذه الجهود تطورات الاقتصاد العالمي، ما يمنح المملكة قدرة أكبر على التكيف مع المتغيرات واستغلال الفرص الناشئة.

ويُتوقع أن تلعب الإستراتيجيات الوطنية دوراً أكبر في توجيه الاقتصاد السعودي المرحلة المقبلة، عبر إطلاق إستراتيجيات فرعية ومناطقية أكثر تخصصاً، تستهدف تعظيم القيمة المضافة لكل قطاع ومنطقة، وفي المحصلة، تمثل هذه الإستراتيجيات حجر الزاوية في رحلة تحول استثنائية، تهدف إلى ترسيخ مكانة السعودية كمركز عالمي للفرص والاستثمار، وحاضنة لمشروعات المستقبل.

من التأسيس وصولاً لقيادة اقتصاد المستقبل

تعتمد رؤية السعودية 2030 على 3 مراحل تنفيذية، تمتد كل منها لخمس سنوات، في نموذج تدريجي يضمن التكامل بين الخطط وتعظيم الأثر الاقتصادي والاجتماعي لما تحقق في كل مرحلة.

إستراتيجيات وطنية

منذ 2018، أطلقت المملكة سلسلة إستراتيجيات وطنية تغطي قطاعات حيوية، أبرزها:

2018: إستراتيجية متكاملة للتعدين والصناعات المعدنية.

2020: إستراتيجية شاملة للقطاع العقاري – إستراتيجية سوق العمل.

2021: إستراتيجية النقل والخدمات اللوجستية – إستراتيجية تطوير منطقة عسير– إستراتيجية الاستثمار.

2022: إستراتيجية برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث – إستراتيجية قطاع الألعاب والرياضات الإلكترونية – الإستراتيجية الصناعية.

2024: إستراتيجية التقنية الحيوية – إستراتيجية المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي.

2025: إستراتيجية التخصيص.

304 مليارات إنفاقاً سياحياً

تسرع رؤية السعودية 2030 خطوات تحويل المملكة إلى وجهة سياحية عالمية، مدفوعة باستثمارات ضخمة وتطوير شامل للبنية التحتية والخدمات. وتعكس الأرقام المحققة حتى 2025 قفزة نوعية في القطاع، تؤكد نجاح الإستراتيجية السياحية في جذب الزوار وتعزيز مساهمة القطاع في الاقتصاد الوطني.

وشهد قطاع السياحة في السعودية نمواً غير مسبوق، حيث ارتفع إجمالي عدد السياح، سواء المحليين أو القادمين من الخارج، من نحو 63 مليوناً 2016 إلى 123 مليوناً نهاية 2025، في مؤشر واضح على تسارع وتيرة النمو وتحسن جاذبية الوجهات السياحية داخل المملكة.

وتجاوز عدد العاملين في الأنشطة المرتبطة بالسياحة 1.2 مليون موظف، ما يعكس الدور المتنامي للقطاع في خلق فرص العمل.

كما ارتفعت نسبة مشاركة المرأة السعودية لنحو 47 % من إجمالي السعوديين العاملين في القطاع نهاية 2025، وأسهم هذا النمو في تسجيل رقم تاريخي في إنفاق السياح (المحليين والوافدين)، الذي بلغ نحو 304 مليارات ريال خلال 2025.

من التباطؤ إلى التعافي القوي... مسار المملكة للنمو اقتصادياً

مرّ الاقتصاد السعودي بدورات نمو متباينة العقد الأخير، متأثراً بالمتغيرات العالمية، لكنه أظهر قدرة واضحة على التعافي السريع؛ وسجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في السعودية نمواً كالتالي:

2016 سجل 1.7 %

2017 حقق 1.2 %

2018 زاد 3.2 %

2019 بلغ 1.7 %

2020 انكمش 3.8 % (تأثير الجائحة)

2021 نمو بـ 6.5 %

2022: قفزة قوية إلى 12 %

2023: تباطؤ عند 0.5 %

2024: تعافٍ إلى 2.6 %

2025: نمو متوقع عند 4.5 %

ويعكس هذا المسار اقتصاداً أكثر مرونة، قادراً على امتصاص الصدمات واستعادة الزخم بدعم من السياسات الاقتصادية.