بعد سبعة أسابيع من المواجهة المعلنة وغير المعلنة، يتكشف الواقع المرير: حرب استنزاف ومستنقع جيوسياسي تتصارع فيه المصالح المتضاربة، بين يأس بنيامين نتنياهو الذي يراهن على حرب شاملة لإنقاذ كرسيه، وتردد دونال ترامب الذي يخشى مستنقعاً جديداً قبيل انتخابات مصيرية.

وبينما نقف على حافة «هدنة مضطربة» قد تنهار بأي خطأ بسيط، برزت باكستان كلاعب وساطة، بحكم حدودها مع إيران وتحالفها الاستراتيجي مع واشنطن. لكن الفجوة بين الطرفين لا تزال «هوة» لا يمكن ردمها:

الورقة الإيرانية (10 نقاط): تركّز على الاعتراف بحق طهران في الملاحة والسيطرة على مضيق هرمز (بما في ذلك الرسوم)، والانسحاب الأميركي الكامل من المنطقة، وإنهاء سياسة «الضغوط القصوى».

الورقة الأميركية: نزع السلاح النووي الكامل، وتفكيك برنامج التخصيب، وتسليم مخزون يقدر بنحو 1000 رطل من اليورانيوم القريب من درجة السلاح.

من غدر بمن؟

كشفت تحقيقات «يديعوت أحرونوت» والقناة 12 الإسرائيلية عن تفاصيل خطة من ثلاث مراحل لتغيير النظام في طهران، كان من المقرر أن تبدأ في 28 فبراير 2026:

- اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وكبار القادة في غارات جوية.

- غزو بري بقيادة ميليشيات كردية مدعومة أميركياً من إقليم كردستان العراق، لعبور الحدود وحشد الأكراد الإيرانيين نحو طهران.

- انتفاضة شعبية مدعومة إعلامياً من ترامب ونتنياهو لتشكيل قيادة بديلة.

ويقول مقربو نتنياهو «لكن الخطة انهارت بسبب غدر تركي لم يكن في الحسبان. فبعد مكالمة من (الرئيس رجب طيب) أردوغان إلى ترامب، هدّد الأخير بتحويل»المحاولة إلى كارثة»، معتبراً أي كيان كردي مستقل تهديداً وجودياً لأمن تركيا.

ووصف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الخطة بـ«الهراء»، واعترض نائب الرئيس جاي دي فانس بشدة، فألغى الرئيس الأميركي العملية قبل ساعات من عبور القوات الحدود.

الاعتراف الإسرائيلي الآن موجع: يقر رئيس الأركان ورئيس «الموساد» بأن تقديراتهما لسرعة انهيار النظام كانت خاطئة، وأن إنجازاتهما التكتيكية (تدمير دفاعات جوية واغتيال قادة ميدانيين) لا تساوي شيئاً أمام بقاء البنية النووية الأساسية سليمة في أعماق منشآت مثل «جبل بيك آكس» قرب ناتانز.

«سوبر سبارتا» على حافة الهاوية

يمثل نتنياهو اليوم«الورقة الأكثر تشدّداً»في المعادلة. بالنسبة له، الحرب ليست استراتيجية وطنية، بل مشروع خلاص شخصي من هزيمة السابع من أكتوبر 2023، وحلم بـ«إسرائيل الكبرى».

وفق تحليل معهد«تشاتام هاوس»، فهو يدفع نحو نموذج«التعبئة الدائمة»(سوبر سبارتا)، حيث تتحول إسرائيل إلى مجتمع في حالة حرب أبدية. لكن هذا النموذج ينهار من داخله: نقص 15,000 جندي، ورفض الحريديم التجنيد، واحتجاجات شعبية متصاعدة.

اليأس يدفع نتنياهو إلى المغامرة الكبرى: حرب شاملة قد تدمّر إيران، لكنها بالتأكيد ستدمر حكومته أولاً إذا لم ينتصر فيها.

3 سيناريوهات للأيام المقبلة

بعد 26 أبريل، سيقف العالم أمام أحد الاحتمالات التالية:

- السيناريو الأول (الأكثر ترجيحاً): استمرار الهدنة المضطربة وحرب الاستنزاف. باكستان قادرة على إبقاء القنوات مفتوحة، لكن الفجوة شاسعة جداً. العودة إلى مربع«اللاجئ»حيث الضربات الجوية المحدودة، والصواريخ، والهجمات السيبرانية.

- السيناريو الثاني (ما يريده نتنياهو): التصعيد إلى حرب شاملة وطاحنة. إذا انهارت المفاوضات نهائياً، ستُنفّذ إسرائيل تهديد ترامب بـ«محو كل محطة طاقة وكل جسر»، وهو ما سيقابل بإغلاق كامل لمضيق هرمز وضرب منشآت نفطية مجاورة، مما سيدفع العالم إلى ركود تضخمي غير مسبوق.

- السيناريو الثالث (المستبعد حالياً): التسوية على الطريقة الكينية. يرى محللو صحيفة«معاريف»أن الحل الوحيد هو تكرار نموذج أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، باتفاق هادئ يسمح لإيران بالخروج من دون إذلال. لكن شخصية ترامب الباحثة عن«نصر صاخب»ونرجسية نتنياهو، تجعل من هذا السيناريو حلماً بعيد المنال.

لسنا على أبواب حرب

الخلاصة المرعبة التي يجمع عليها خبراء الاستراتيجيا اليوم: الأفق السياسي ضيق للغاية. نحن لسنا على أبواب سلام، بل على حافة«هدنة مضطربة» قد تنفجر من أدنى شرارة.

الخطر الحقيقي ليس في نوايا أحد، بل في غياب أي جهة قادرة على امتصاص الصدمة. باكستان وسّطت لكنها عاجزة، أميركا منقسمة على نفسها، وإسرائيل تقودها أزمة وجودية. أما إيران، فستظل كما كانت: جملاً جريحاً لكنه لا يزال قادراً على العض. التحذير الأخير لمحللي الاستخبارات: لا تراهنوا على العقلانية في الأسابيع المقبلة، فالجميع أصبح تحت رحمة الساعة الآلية لانهيار سياسي وشيك.