على وقع السباق مع الوقت الفاصل عن انتهاء مهلة هدنة الأسبوعين على جبهة إيران ورفْض واشنطن حتى الساعة تمديدها بهدف رفْع الضغوط على طهران وجَلْبها إلى الجولة الثانية من المفاوضات «منزوعة السلاح» غير التقليدي الذي شكّله قَفْلُها مضيق هرمز، انهمك لبنان في تَقَصّي أحوالِ المَسار الذي اقتيد باسمه إلى فوهة البركان المتفجّر في 2 مارس، والتحرّي في الوقت نفسه عن الاتجاهات التي أوحت بإمكان بلوغِ وقف نارٍ موقتٍ وشيك على جبهته يستفيد من وَهْجِ جولة المحادثات التاريخية المباشرة التي عُقدت في واشنطن على مستوى سفيريْ بيروت وتل أبيب لديها وبرعاية وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو شخصياً تحضيراً لانطلاق مفاوضاتٍ موسّعة وأعلى مستوى وصولاً إلى حلٍّ دائم.

وغداة المحادثات بين السفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل لايتر، والسفيرة اللبنانية ندى حمادة معوض، ارتسمتْ محاولةٌ جليةٌ من الولايات المتحدة لدفْع تل أبيب إلى مبادرة حُسن نية تجاه لبنان الرسمي في ملاقاة خطوته الجريئة بكسْر ما وَصَفَتْه أوساطٌ سياسيةٌ بـ «الحَجْرِ» الذي فَرَضَه «المحور الإيراني» على بيروت لجهة رَسْمِ ديبلوماسيةٍ مستقلّة والحظْر على أي تَفاوُضٍ مباشر مع تل أبيب ينطوي فعلياً على فَصْلٍ للمساريْن اللذين تتعاطى معهما طهران وكأنهما «توأمان ملتصقان» حرباً وسلماً.

ويتمثّل عنوان مبادرة حسن النية بوقف النار الذي يشكل البند الرقم واحد في المبادرة التي أطلقها الرئيس اللبناني العماد جوزف عون في 9 مارس وكرّر فيها الدعوة لمفاوضات مباشرة مع إسرائيل «لوضع حد للتصعيد الإسرائيلي المتجدد»، وتشتمل في «ب» على «المسارعة إلى تقديم الدعم اللوجستي الضروري للقوى المسلحة اللبنانية»، و «ج» على «أن تقوم هذه القوى فوراً بالسيطرة على مناطق التوتر الأخير، ومصادرة كل سلاح منها، ومصادرة سلاح حزب الله ومخازنه ومستودعاته، وفق المعلومات والمعطيات الممكن تَوافُرها لها».

وبعدما شكّل مطلبُ وَقْفِ النار المدخلَ الذي أصرّ عليه لبنان لولوج المفاوضات الموسّعة، من دون أن يتبلور حتى الساعة أقلّه علناً سياقها المشترك ولا مرجعيتها ولا «المنتج النهائي» المرتقب منها، رغم مُجاهَرة إسرائيل والولايات المتحدة بأن الهدف في نهاية المطاف اتفاق سلام شامل، عاشت بيروت ابتداءً من عصر الأربعاء، مناخاتِ جهود حثيثة تُبذَل لدفع تل أبيب لقبول هدنة على جبهة لبنان أفيد أن الرياض دخلت على خطّها أيضاً عبر حضّ واشنطن على ضمانِ بلوغ تهدئةٍ سريعاً، في موازاة الحرص السعودي على إحاطة «بلاد الأرز» بـ «أحزمة أمان» لوضْعها الداخلي تَلافياً لأي توتّراتٍ مدجَّجة بمخاطر إسقاط الوطن الصغير من الداخل.

وبعد أجواء عن أن اسرائيل تَلتزم خفْض تصعيد غير معلَن -مستمرّ منذ 9 أبريل أي غداة «الأربعاء الأسود» في بيروت- يقوم على تحييد العاصمة اللبنانية وضاحيتها الجنوبية عن النار موقتاً، تسارعت المعلومات عن ضغوطٍ متعددة الاتجاه على تل أبيب للسير بوقف نارٍ في كَنَفِ «المَسار المنفصل» الذي انتزعتْه «بلاد الأرز» من يد إيران التي أرادتْ رَبْطَ الساحتين بالهدنة في محاولةِ لإبقاء «حزب الله» وسلاحه ورقةً لـ «العطاء والأخذ» على طاولة مفاوضاتها في بند «وقف دعْم الوكلاء» الوارد في دفتر الشروط الأميركي، في الوقت الذي أتاح «وعاءُ» الطريق المستقلّ الذي أصرّت عليه بيروت والذي شُقّ عبر الحوار التيسيري في واشنطن فَرْضَ معادلةٍ في هذا البند قوامها «طهران تُعطي (في موضوع الوكلاء) على مسارها مع واشنطن ولبنان يأخذ على مَساره المنفصل».

«أبوّة» وقف النار!

وقبيل اجتماع المجلس الوزاري المصغر الإسرائيلي ليل الأربعاء لإعلان القرار في ما خص وقف النار في لبنان، لاحت مَعالم تَسابُقٍ على «أبوته» عززت احتمالات إعلانه، بين «حزب الله» الذي جيّر نائب فيه هذا الإنجاز المنتظَر مسبقاً إلى «الجهود الإيرانية والإقليمية التي ربما تفضي لوقف النار في لبنان قريباً»، قبل أن تنقل "وكالة تسنيم للأنباء» عن مصدر إيراني «أن وقف النار في لبنان يُعد مؤشراً إيجابيا لقرار إيران في شأن الجولة المقبلة من المفاوضات مع أميركا»، في موازاة تأكيد مصادر رسمية لبنانية أن الحديث عن الهدنة «هو نتيجة للجهود اللبنانية التي كان آخِرها في اجتماع الثلاثاء في العاصمة الأميركية وما تلاه من اتصالات، وسيكون هذا الأمر واضحاً في البيانات التي قد تصدر في هذا السياق».

الدور السعودي

وفي الوقت الذي أبلغ مصدر رسمي لبناني قناة «الحدث» أن «وقف النار هدفه إعطاء دفع لجهود الدولة بمفاوضاتها مع إسرائيل، والوصول إليه سيكون نتيجة ضغط أميركي بعد الاجتماع في واشنطن»، جاء موقف بارز من عون الذي حرص على تظهير الدور الذي تضطلع به المملكة العربية السعودية في مؤازرة لبنان، بإصداره بياناً لافتاً أعلن فيه «أن جهود سمو ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الحكيمة والمتوازنة والتي وفرت أجواء لدعم الاستقرار في المنطقة، هي موضع تقدير واعتزاز لبنان، ونأمل أن يكون لبنان جزءاً أصيلاً في هذا الجهد، فالمملكة العربية السعودية الراعية لاتفاق الطائف هي موضع ثقة اللبنانيين ودول المنطقة والعالم».

وكان مسؤول إسرائيلي أكد للقناة 13 «أن واشنطن تريد وقف نار مع لبنان لتعزيز قوة الحكومة اللبنانية» التي كانت تتعرّض ورئيس الجمهورية لمزيدٍ من «الرَشْقِ» من «حزب الله» والتخوين على خلفية خوْض المفاوضات المباشرة وعدم الحصول من تل أبيب حتى على هدنةٍ «ومنْحها العدو صورة إنجاز سياسي بعدما عجز عن التقاط صورة النصر المزعوم في بنت جبيل».

وفيما نقلت قناة «سي إن إن» عن مصدر إسرائيلي «أن بنيامين نتنياهو أدرك أنه ما لم يبادر فسيعلن الرئيس دونالد ترامب وقف النار بنفسه»، أوردت القناة 12 عن مسؤول إسرائيلي «أن المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف طرح وقف النار في لبنان لأسبوع، لكن إسرائيل أصرت على فصل جبهتي لبنان وإيران» وأن «واشنطن ترغب بتهدئة على جبهة لبنان للتركيز على المفاوضات مع إيران، وتقترح هدنة موقتة مع لبنان وتحديد مهلة لاستئناف الحرب مثل الوضع بإيران».

كما أوردتْ هيئة البث الإسرائيلية عن مصدر في تل أبيب «أن الإدارة الأميركية طلبت رسمياً من نتنياهو دَرْسَ وَقْفٍ موقت للنار في لبنان، وذلك كخطوة حسن نية تجاه الحكومة اللبنانية على خلفية استمرار المفاوضات»، فيما صرّح مصدر إسرائيلي رفيع المستوى «أنّ القرار لم يُتَّخذ بعد، وسيُدرس الليلة في اجتماع للكابينيت»، بالتوازي مع إشارة موقع «كيبا» الإسرائيلي إلى «أن وقفاً النار من المرجّح أن يبدأ الليلة في لبنان».

وبعدما كانت الحكومة الإسرائيلية أعلنت «أن هدفها واضح في لبنان وهو نزع سلاح «حزب الله»، معتبرة أن الحزب هو المعرقل الأساسي للسلام، متوجّهة بالشكر إلى الرئيس ترامب على التوسط في المفاوضات مع لبنان، برز ما أوردته القناة 12 عن أن «الجيش الإسرائيلي يسرّع خططاً قد يتم تجميدها جنوب لبنان»، وهو ما فسّر تكثيفَ الهجمات جنوباً (أُعلن عن ضرب 200 هدف لحزب الله في 24 ساعة) بما في ذلك على مدينة صور وقرى القضاء، واشتداد المطاحنة في قلب مدينة بنت جبيل التي باتت بالنسبة لتل أبيب عنواناً رئيسياً لتسطير «انتصارٍ» يفكّ عقدة «أوهن من بيت العنكبوت» التي تطاردها منذ العام 2000 يوم وَقَفَ السيد حسن نصرالله في ملعب المدينة في احتفال التحرير.

ومن شأن اتفاق وَقْفِ نارٍ على جبهة لبنان بمعزل عن هدنة إيران وإمكان تمديدها، أن يتيح لبلاد الأرز أن تنتظر على البارد مآلات الجولة الدبلوماسية الحاسمة على «الجبهة الأم» -في ضوء توقُّع أن يلتزم حزب الله بالهدنة من منظار الترويج لها على أنها وليدة «اليد» الإيرانية -لاسيما أن بلوغ حلّ شامل مع طهران القديمة- الجديدة لا بد أن يترك انعكاساتٍ إيجابية تلقائيةً على الملف اللبناني ووضعيّة الحزب وسلاحه، ما لم يبادر الأخير إلى محاولة الارتداد على الداخل لتحصيل مَكاسب في التركيبة اللبنانية «على الحامي»، وهو ما تتنبّه له عواصم عربية صديقة لبيروت عبر حركة استباقية يشكل محورها رئيس البرلمان نبيه بري باعتبار أن مثل هذا السلوك سيكون انتحارياً.