دعنا نتفق عزيزي القارئ على مبدأ لا يقبل القسمة على اثنين، النوايا ليست مجرد خواطر عابرة أو سحابات دخان تتلاشى في الهواء، بل هي طاقة فيزيائية صلبة، وكائنات حية تتنفس وتتحرك، والأهم من ذلك كله... أنها ترتد دائماً إلى صاحبها.

نحن نعيش في كون شديد الحساسية، كون لا يتعامل مع الأفعال المادية فحسب، بل يقرأ ما يُحاك في الصدور المظلمة.

تخيّل معي ذلك الجار الذي يجلس خلف نافذته، يراقب جاره الناجح أو المستقر، ولا يفعل شيئاً سوى أن يعقد النية على تمني زوال نعمته، يرسل له يومياً شحنات من الأمنيات السوداء بخراب بيته أو تشتت شمله، إن هذا الجار الحاقد قد لا يرمي حجراً واحداً على بيت جاره وقد لا يخدش سياراته، لكن نياته السيئة تلك لا تتبخر؛ إنها تتحول إلى «قوة عكسية» ترتد لتنهش في روحه هو، فتصيبه بالأمراض، وتسلب منه البركة، وتحيل حياته إلى جحيم مستعر من القلق والنقمة.

وقس على ذلك الموظف الذي يدخل مقر عمله كل صباح حاملاً حقيبة خفية مليئة بالنوايا السيئة تجاه زملائه، فهو لا يواجههم، وربما يوزع عليهم ابتسامات بلاستيكية، لكنه يضمر لهم الفشل والمكائد. ما الذي يحدث؟ تصيبه لعنة نواياه في مقتل؛ فيتآكل من الداخل، ويتعثر في مسيرته، ويجد نفسه غارقاً في وحل الفشل الذي كان يتمناه لغيره، وكأن النية السيئة عقرب تلدغ صاحبها قبل أن تصل إلى الضحية.

لقد رأيت أدباء ومثقفين يحملون أقلاماً جيدة ولكن نواياهم سوداء لزملائهم في المجال، فأوقفهم الله وخفس بهم المقام حتى وصلوا للهاوية... بينما نجح زملاؤهم أصحاب النوايا الصالحة والأقلام الأقل حظاً.

وإذا أردت أن ترى هذا القانون الرباني يتجسّد أمامك على شاشة عرض عملاقة وبتقنية الأبعاد الثلاثية، فلا تبحث بعيداً، انظر إلى «الجمهورية الإيرانية». لقد بنت هذه الدولة إستراتيجيتها منذ عقود على نية واحدة شديدة السواد: تدمير الجيران وتوسيع رقعة الثورة.

عقدت النية على تصدير الخراب، وبيتت الشر لسوريا والعراق ولبنان واليمن ودول مجلس التعاون الخليجي، وحولت حواضر العرب التاريخية إلى ساحات للرماد والدم.

ولأن السُنن الربانية لا تُحابي أحداً، ولأن الدّيان لا ينام، ارتدت طاقة هذه النوايا المسمومة لتنفجر في عُقر دارها! فبدلاً من أن تحصد ثمار هيمنتها، سلّط الله عليها من يحاصرها ويذيقها مرارة الاستنزاف والمهانة في عقر دارها وبشكل لم يخطر لها على بال.

أما ذروة الكوميديا السوداء في هذه المسرحية العبثية، فتتجلى في قصة «الجواسيس». لقد نوت إيران وعملت لعقود على زراعة الخلايا النائمة والجواسيس في كل عاصمة وكل ميناء لتخريب استقرار الدول المجاورة. وماذا كانت النتيجة؟ اللعنة المرتدة نفسها! لقد استيقظت لتجد أن شبكات التجسس لم تكن تُزرع في الخارج فحسب، بل كانت متغلغلة في أعمق أعماق غرفها المغلقة، محيطة بمرشدها، ومخترقة لقياداتها الأمنية، وملاصقة لرموزها الإستراتيجية، حتى قادتهم واحداً تلو الآخر ليُدفنوا تحت عشرات الأطنان من الركام في خنادقهم التي ظنوها مانعتهم. من حفر حفرة لجاره، لم يقع فيها فحسب، بل دُفن فيها حيّاً!

خلاصة القول يا سادة، إن النية هي عجلة القيادة الحقيقية التي توجه مصائرنا. لذلك، من أوجب واجبات المرء تجاه نفسه، قبل أن يكون تجاه الآخرين، أن يزرع النوايا الصالحة في قلبه ويتعاهدها بالرعاية، حتى لو لم تكن لديه القدرة المادية أو الظروف المواتية لتحويلها إلى أفعال؛ فالنية الطيبة في ذاتها طوق نجاة، وصدقة جارية تفتح مغاليق الأبواب.

وفي المقابل، إياك ثم إياك أن تستطعم النوايا السيئة أو تحتضنها في صدرك، حتى لو كنت تملك فائضاً من القوة والقدرة على تنفيذها. فالقدرة تزول، والقوة تتلاشى، ولا يبقى سوى الخراب الذي تمنيته لغيرك، عائداً إليك يطرق بابك في منتصف الليل، ليطالبك بتسديد الفاتورة كاملة... وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.