مع دخول الحرب في الشرق الأوسط أسبوعها السادس، يتفاقم نقص إمدادات النفط الخام ليهدد بالتحول إلى أزمة أوسع (نقص يطول تقريباً جميع السلع).
تطرق تقرير نشره موقع «سي إن إن» إلى الصراع في الشرق الأوسط، وقال إنه قد أدى إلى تقييد تدفقات النفط والغاز الطبيعي عبر مضيق هرمز، ما خفّض الإمدادات العالمية بنحو الخُمس. ولم يقتصر أثر هذا الاضطراب على ارتفاع أسعار الوقود فحسب، بل امتد ليضغط على إمدادات المواد البتروكيميائية اللازمة لصناعة سلع يومية مثل الأحذية والملابس والأكياس البلاستيكية.
انتشار الضغوط
وبدأت هذه الضغوط تنتشر إلى مختلف قطاعات سوق المستهلك، مع ارتفاع أسعار مواد مثل البلاستيك والمطاط والبوليستر، ويظهر التأثير بشكل أوضح في آسيا، التي تمثل أكثر من نصف الإنتاج الصناعي العالمي وتعتمد بدرجة كبيرة على واردات النفط والسلع الأساسية الأخرى.
في كوريا الجنوبية، حيث اندفع المستهلكون إلى شراء أكياس القمامة بدافع القلق، دعت الحكومة منظمي الفعاليات إلى تقليل استخدام المواد ذات الاستعمال الواحد، وفي تايوان، أُنشئ خط ساخن للمصنّعين الذين نفدت لديهم المواد البلاستيكية، فيما أفاد مزارعو الأرز لوسائل الإعلام المحلية بأنهم قد يضطرون إلى رفع الأسعار بسبب نقص أكياس التغليف المفرغة من الهواء.
أما في اليابان، فقد أثارت أزمة النفط مخاوف من عدم قدرة مرضى الفشل الكلوي المزمن على تلقي العلاج نتيجة نقص الأنابيب الطبية البلاستيكية المستخدمة في غسيل الكلى. وفي ماليزيا، حذّر مصنعو القفازات من أن نقص أحد المشتقات النفطية اللازمة لإنتاج اللاتكس المطاطي يهدد الإمدادات العالمية من القفازات الطبية.
وقال دان مارتن، الرئيس المشارك لقسم معلومات الأعمال في شركة استشارية تُعنى بمساعدة الشركات الدولية على التوسع في آسيا: «ينتقل هذا التأثير إلى كل شيء بسرعة كبيرة جداً: المعكرونة، ورقائق البطاطس، والألعاب، ومستحضرات التجميل».
ويعود ذلك إلى تزايد صعوبة تأمين أغطية الزجاجات البلاستيكية، والصناديق، وأكياس الوجبات الخفيفة، والحاويات. كما تُستخدم مشتقات النفط أيضاً في صناعة المواد اللاصقة للأحذية والأثاث، والزيوت الصناعية للآلات، والمذيبات للدهانات وعمليات التنظيف، وأضاف: «انتقال التأثير من اضطرابات النفط والشحن إلى المواد البتروكيميائية ثم إلى السلع الاستهلاكية يتم بسرعة كبيرة».
وتفرض هذه الاضطرابات عبر أسواق السلع والصناعة ضغوطاً تصاعدية على معدلات التضخم العالمية، كما تُثقل كاهل النمو الاقتصادي. فالمصنّعون يدفعون أسعاراً أعلى للطاقة والمواد الخام، ما يضغط على هوامش الأرباح ويدفع تدريجياً إلى رفع الأسعار على المستهلكين. كما تؤدي زيادة تكاليف الوقود إلى إرباك السفر والخدمات اللوجستية، في حين قد يؤدي نقص مواد أخرى من الشرق الأوسط، مثل الأسمدة والهيليوم، إلى ارتفاع أسعار الغذاء والإلكترونيات.
انعدام البدائل
وبدأت الدول في السحب من احتياطاتها الإستراتيجية من النفط بكميات تاريخية للتخفيف من أثر الحرب. إلا أن جزءاً كبيراً من أزمة الإمدادات المتفاقمة يعود إلى نقص مادة النافثا، وهي أحد مشتقات النفط الخام ومادة أولية أساسية للصناعات التحويلية، في حين أن مخزونها محدود ولا يوجد لها بديل مباشر، وخفّضت بعض شركات البتروكيميائيات في آسيا إنتاجها أو أعلنت حالة القوة القاهرة الأسابيع الأخيرة بسبب نقص المواد الخام. ويشير مصطلح «القوة القاهرة» إلى ظروف غير متوقعة تمنع الشركة من الوفاء بالتزاماتها التعاقدية.
وفي كوريا الجنوبية، استُغل تعليق العقوبات الأميركية على بعض أنواع النفط والمنتجات النفطية الروسية لشراء أول شحنة من النافثا من موسكو منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا. كما فرضت سيول حظراً على تصدير النافثا للحفاظ على الإمدادات المحلية.
ومع تسارع المنتجين لتأمين المواد، ارتفعت أسعار البلاستيك والمنتجات المرتبطة به بشكل ملحوظ. ووفقاً لمنصة معلومات أسواق السلع، ارتفعت أسعار الراتنجات البلاستيكية في آسيا بنسبة تصل 59 في المئة منذ أواخر فبراير، لتسجل مستويات قياسية.
وفي تايلند، رفعت إحدى أكبر شركات تجارة مواد التغليف البلاستيكية بالجملة أسعار الأكياس الشفافة المستخدمة على نطاق واسع في المطاعم وخدمات التوصيل. وفي الهند، أفادت وسائل الإعلام بارتفاع أسعار المياه المعبأة نتيجة تضاعف أسعار أغطية الزجاجات البلاستيكية مرات عدة منذ بدء الحرب. كما أشار مسؤول في أكبر شركة لإنتاج المعكرونة الفورية في كوريا الجنوبية إلى أن مورد التغليف البلاستيكي لديها لم يعد يمتلك سوى مخزون يكفي لشهر واحد تقريباً.
تفاقم المشكلات
وباعتبار آسيا أولى المناطق تأثراً بأزمة الوقود، فإن تفاقم مشكلات الإمداد فيها ينذر بانعكاسات سلبية على بقية العالم، في حال تعذر إنتاج الموارد أو شحنها من الشرق الأوسط.
فإلى جانب إنتاج نحو 17 في المئة من النافثا العالمية و30 في المئة من الراتنجات البلاستيكية، يزوّد الشرق الأوسط العالم بنحو 45 في المئة من الكبريت المستخدم في صناعة الأسمدة، و33 في المئة من الهيليوم المستخدم في أشباه الموصلات والرعاية الصحية والفضاء، و22 في المئة من اليوريا والأمونيا المستخدمة كمغذيات للمحاصيل.
وبدأ المزارعون في الولايات المتحدة بالفعل بدفع أسعار أعلى للأسمدة، مع ارتفاع أسعار اليوريا المستوردة بنحو الثلث منذ بداية الحرب. وفي الهند، أفاد مصنعو الواقيات الطبية بحدوث اضطرابات في الإنتاج نتيجة نقص مواد التغليف وزيت السيليكون والأمونيا.
وأشار محللو أحد البنوك الاستثمارية إلى أن الصدمة الاقتصادية تتكشف بشكل متتابع وليس متزامن، على هيئة اضطراب تدريجي في سلاسل الإمداد يتحرك من الشرق نحو الغرب، وخلال الأسابيع الماضية، ركّزت الدول الآسيوية على احتواء ارتفاع أسعار النفط من خلال إجراءات مثل السحب من المخزونات وفرض سقوف سعرية وتقليص ساعات العمل. إلا أن القيود على الإمدادات يُتوقع أن تشتد في أبريل، مع وصول آخر الشحنات التي تم إرسالها قبل اندلاع الحرب.
وأشار محللو البنك إلى أن «التحدي الرئيسي لم يعد الأسعار، بل الندرة الفعلية للمواد»، مؤكدين أن آسيا لم تعد في مرحلة وقائية بحتة، ويرى بعض المحللين أن بعض الشركات تؤجل شراء المواد الأولية على أمل تراجع الأسعار في حال انتهاء النزاع.
50 في المئة ارتفاعاً في أسعار المواد الخام
أفاد أحد منتجي البوليستر في شرق الصين بأن أسعار المواد الخام التي يعتمد عليها ارتفعت نحو 50 في المئة، وهي زيادة لا يستطيع عملاؤه في قطاعات المنسوجات والملابس والخيوط تحملها. ورغم استمرار مصنعه في العمل، فإنه يقتصر على تنفيذ الطلبات الحالية، مع تجنب تكوين مخزون جديد مرتفع التكلفة، وقال: «أشعر بالقلق. القطاع بأكمله في الحالة نفسها، ولا أحد يعرف كيف ستنتهي الحرب».
وفي محاولة لخفض التكاليف، تسعى بعض الشركات إلى تقليل استخدام البلاستيك في التغليف. ففي إندونيسيا، حيث تضاعفت أسعار البلاستيك خلال شهر واحد، بدأت الشركات في تقليل سماكة مواد التغليف، بينما تدرس أخرى استخدام بدائل مثل الورق أو الزجاج أو الألمنيوم أو البلاستيك المعاد تدويره.
إلا أن هذه البدائل تطرح تحديات تتعلق بالمتانة والامتثال للمعايير الصحية، إضافة إلى الحاجة إلى إعادة تهيئة خطوط الإنتاج وتأمين مصادر جديدة، وهي عملية قد تستغرق من ستة أشهر إلى عام.
كما أن التحول إلى بدائل البلاستيك قد ينطوي على تكلفة مرتفعة، إذ إن الإمدادات العالمية من المواد المعاد تدويرها أو الحيوية محدودة، وتبلغ تكلفة البلاستيك الحيوي ما بين خمسة إلى سبعة أضعاف البلاستيك التقليدي القائم على الوقود الأحفوري.
وفي هذا السياق، أشار أحد المتخصصين في بيانات تجارة البلاستيك إلى أنه حتى في حال عودة الأوضاع إلى طبيعتها في هرمز بشكل فوري، فإن استعادة قدر من الاستقرار في قطاع البلاستيك في آسيا قد تستغرق على الأقل أشهر عدة.