هل الذهب الأسود مفيد دائماً في اليوم الأسود بضمان سلامة الإمدادات؟
لهذه الأسباب يتريّث مُنتجو النفط في تضخيم مخزونهم ... بالخارج
- 5 عوامل تحدد عادة جدوى تخزين النفط بالخارج
- الهدف إستراتيجي أم تجاري...؟
بين الفينة والأخرى يظهر السؤال ويخبو، ما الذي يمنع شهية الدول المنتجة للنفط وفي مقدمتها الكويت على التخزين الإستراتيجي للنفط خارج حدودها أي بمعدلات ضخمة، بجانب مخزوناتها المحلية عملاً بقاعدة «النفط الأسود مفيد لضمان سلامة الإمدادات في اليوم الأسود».
هذا السؤال ورد بقوة على أذهان الكثيرين أخيراً، وفي مقدمهم المسؤولون عن إدارة الملف النفطي والمتخصصون، لا سيما منذ بدء الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير الماضي، وتحديداً مع تصاعد التطورات الإقليمية وتقييد حركة الشحن عبر مضيق هرمز، الذي يمر من خلاله نحو خُمس إمدادات النفط العالمية بما يقارب 20 مليون برميل يومياً.
في أبريل 2025 أعلنت مؤسسة البترول الكويتية توقيعها عقداً مدته عامان مع المؤسسة الوطنية لكوريا الجنوبية بتخزين 4 ملايين برميل من النفط الخام الكويتي، مع تخزين 3.1 مليون في اليابان 2020، أخذاً بالاعتبار أن متوسط استهلاك كوريا الجنوبية من النفط يبلغ 2.6 يومياً، ما يعني محاسبياً أن إجمالي الكميتين (7.1 مليون) تساوي أقل من استهلاك كوريا النفطي في نحو يومين وثلث.
وهنا قد يكون مفيداً أن تخزين النفط بالخارج ليس جديداً، فقد سبق تجارب مماثلة تضمنت تخزين كميات بسيطة في جزر البهاما بالبحر الكاريبي عام 1995، لتكون قريبة من أسواق الولايات المتحدة الاميركية، ومن ثم انتهاز فرص الربحية عند ارتفاع الأسعار، والتفوق على المنافسين بالقرب من المناطق الاستهلاكية، وفي 2007 خزّنت الكويت النفط الخام في كوريا الجنوبية، بهدف تأمين امدادات مستمرة للعميل لتفادي الظروف السياسية المتوترة في منطقة الخليج العربي، والتهديدات بإغلاق مضيق هرمز.
تأمين الإمدادات
وبجردة سريعة يتضح أن الكويت ليست الدولة الوحيدة ضمن مجموعة «أوبك» التي قامت بهذا النشاط، فهناك السعودية أكبر دولة مصدرة للنفط الخام، خزّنت في كوريا الجنوبية وكذلك في اليابان، والامارات تتبع النشاط نفسه وأيضاً خزّنت نفطها في اليابان، وايران خزّنت نفطها فترات في مصر على البحر الابيض المتوسط، كما قامت باستعمال 15 سفينة عملاقة ومتوسطة الحجم لتخزين 35 مليون برميل من نفطها للطوارئ.
وإلى ذلك يبرز السؤال مجدداً ما الغرض الإستراتيجي من تخزين الدول لنفطها بكميات ضخمة خارج حدودها؟ وكم تبلغ تكلفة التخزين والمواصلات؟ ومن يتحمّلها؟ وهل تستطيع أن تغطي هذه المصاريف عند بيع النفط الخام إلى أي دولة إذا استدعت الحاجة؟ ومتى تنتقل الملكية إلى الطرف الآخر؟ وهل يحق للدولة المؤجرة شراء ما تخزنه في حال القوة القاهرة وكم القيمة؟
جدوى التخزين
مبدئياً هناك 5 عوامل عادة تحدد جدوى تخزين النفط تشمل نوع الهدف إستراتيجي أم تسويقي؟ وحجم الفائض؟ وتكلفة التخزين؟ وتكلفة التمويل؟ والفارق بين سعر التسليم الفوري والتسليم الآجل لأمد عام؟ وهو مؤشر السعر الذي يقاس عليه ترجيح سعر النفط المخزن بغرض التسويق مستقبلاً، ضمن ما يعرف بانتهاز فرص ارتفاع الأسعار، فإذا كان الرهان التسويقي على تخزين نفط بسعر رخيص، وتكلفة متدنية، وبيعه مستقبلاً بسعر أعلى تتنامى أهمية الإجراء، أما إذا كان الغرض إستراتيجياً فلا يعمل بهذا الاعتبار كثيراً.
مراجعة الفترات
وبالنسبة لتكلفة التخزين عموماً فتظهر المراجعة أن فترة حرب أسعار النفط بين السعودية وروسيا وجائحة كورونا في 2020 حيث شهدت سوق النفط هذه الظاهرة بلغ متوسط سعر تخزين برميل النفط برياً 50 سنتاً ومائياً نحو 75 سنتاً، ومع سخونة الأحداث الطاقوية عالمياً والتوقعات المتشائمة ببلوغ سعر البرميل نحو 200 دولار من المرجح أن يتضاعف هذا التسعير، ويعتمد هذا المسار على مدة النزاع الدائر حالياً، ونطاقه، وحجم الأضرار التي يُلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين وإطالة أزمنة التسليم.
التخزين الإستراتيجي
ولعل ما يعزّز جنون تسعير التخزين الإستراتيجي، إذا شهدت الأسواق هجمة على زيادة مخزونات النفط، وكذلك إذا كان ما يغذي هذا التحرك أسباب إستراتيجية جيوسياسية وليس تجارية بحتة، فعندما يظهر فائض كبير، يتغير شكل منحنى أسعار النفط بسرعة لجعل التخزين اقتصادياً، ومع بدء تراكم المخزونات، ينعكس منحنى الأسعار، حيث تنخفض أسعار العقود الفورية عن أسعار العقود المستقبلية.
وبالطبع لا يمكن التغافل عن دور مدى سعة التخزين العالمية برياً وعائماً وقربها من الامتلاء في القفز بتكلفة التخزين، فإذا امتلأت الخزانات العالمية المعروفة تنتقل الصناعة ببطء إلى مواقع ثانوية وثالثية، وعادةً ما تكون أكثر تكلفة لأن الخدمات اللوجستية تزداد تعقيداً فضلاً عن تحديات أسعار الفائدة التي تعد حالياً أعلى بكثير من أي وقت واجهت فيه صناعة النفط وضعاً مشابهاً على مدى 25 عاماً خلت، خصوصاً إذا عادت الدورة النقدية عالمياً إلى تبني سياسة رفع الفائدة مجدداً إذا ترسخت التوقعات بارتفاع التضخم لفترة أطول، وبالتالي، سيكون تمويل فائض العام المقبل مكلفاً.
أما في ما يتعلق بحق استفادة الدولة المستضيفة للتخزين النفطي فتعطي غالبية الاتفاقيات حق الأولوية في شراء الخام للدولة المضيفة، وفي ظروف المخاطر، يحق هذا الاستخدام مقابل ثمن محدد.
800 مليون برميل كوّنتها أميركا احتياطياً
عندما حظرت الدول العربية تصدير النفط للغرب كوّنت أميركياً التي تعد أكبر مستهلك للنفط بعد حرب أكتوبر 1973، مخزوناً إستراتيجياً للطوارئ لمواجهة تقلبات الاسعار، إذ سعت إلى بناء مخزون نفطي يصل 800 مليون برميل في ولايتي لويزيانا وتكساس لتخزين نوعين من النفوط تحت سطح الارض وعلى أعماق كبيرة.
وما يستحق الإشارة أن دول الخليج لا تتبني التخزين الإستراتيجي لنفطها بوزن أميركا، وذلك لصالح الإنتاج المستمر والتصدير.
أبرز معايير تقدير التكلفة
• الفائض وثمن التخزين وفائدة التمويل وفارق السعر الأكثر تأثيراً• انتهاز فرص الأسعار ممكن إذا كان الرهان تسويقياً وليس جيوسياسياً•غالبية الاتفاقيات تمنح للدولة المضيفة أولوية الشراء والسعر بالقوة القاهرة• هجمة المخزونات وترسّخ توقّعات التضخم المتصاعد يضعفان الجدوى