لا يسعك أن تفيَ برامج التواصل الاجتماعي حقها من الشكر، فلولاها لما تمكن بعض الناس من إظهار أسوأ ما فيهم أو أحسنه. وكأن برامج التواصل جهاز كشف عن المعادن، معادن الناس. مهلاً! ألهذا غيّر إيلون ماسك، اسم «تويتر» إلى «إكس»، نسبة إلى «أشعة إكس» الكاشفة؟ كيف لم يخطر لي هذا من قبل؟!

في الفترة الماضية، هالتنا منشورات أقوام نحبهم ولا يحبوننا. قوم يشمتون بالكويت ودول الخليج، ويهللون للعدوان الإيراني الجائر، وكأن الخليج هو مَن كان يحتل فلسطين كل هذه العقود! ندرك أن هؤلاء شرذمة قليلون لا يمثلون إلا أنفسهم، وأن أغلب العرب عقلاء نبلاء، لكن الأصوات النشاز تؤلم الآذان والقلوب.

تأتيك التهمة المعلبة: «تستضيفون قواعد أميركية». ورغم تأكيد الكويت ودول الخليج أن لا ناقة لها ولا جمل في هذه الحرب، إلا أن البعض يجزم بثقة يُحسد عليها أن العمليات الأميركية تنطلق منها، وكأنه طار شخصياً متشبثاً بأحد صواريخ «توماهوك» ورأى ذلك رأيَ العين! وكأن القواعد الأميركية لا تنتشر في أصقاع المعمورة، وكأن حاملات طائراتها لا تتموضع في مسطحات مائية عديدة بعضها قريب من دولته هو شخصياً. بل قد تكون طائرة أميركية حلقت فوق رأسه دون أن ينتبه. ما كان لينتبه، وكيف ينتبه وهو مشغول بالتشفي من دول الخليج؟

فلنفرض جدلاً أن هذه التهمة صحيحة، إذاً، لماذا لا تصب إيران هجماتها على هذه القواعد تحديداً وترتاح من الهجمات المزعومة التي تنطلق منها، وإحداثيات هذه القواعد معروفة ويمكن لطفل صغير أن يستخرجها من خرائط «غوغل»؟ لماذا تبدّد صواريخها المكلّفة ومسيّراتها على البنية الحيوية والاقتصادية للكويت ودول الخليج؟ لماذا استهدفت مطار الكويت المدني مرات عدّة؟ لماذا قصفت ميناء الشويخ التجاري، وميناء مبارك الكبير التجاري الذي لا يزال قيد الإنشاء؟ لماذا ضربت مبنى هيئة حكومية هي المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية التي لا يخرج عملها عن صرف المعاشات التقاعدية؟ لماذا استهدفت مصافي النفط؟ لماذا استهدفت محطة لتوليد الماء والكهرباء وقتلت أحد العاملين فيها؟

لا تضيعنَّ وقتك بعد اليوم في تعداد منشآتنا المدنية المتضررة التي تبرهن على تهافت الحجة التي يلوكونها. فمِن الناس مَن يعتقد أولاً، ثم يستدلّ باحثاً عن البرهان الذي يؤكد هواه. وهذا ما يُسمّى الانحياز التأكيدي Confirmation Bias. حتى لو أفحمتهم، سيخترعون حججاً جديدة ليؤكدوا بها ما رسخ في أذهانهم، ووقر في قلوبهم.

ثم إن القول بأن الكويت تستضيف قواعد أميركية قول مُجتزأ عن سياقه التاريخي وظروفه. هل نسي مَن يقول هذا القول أن صدّام حسين -الذي يترحّم عليه بعض العرب- هو مَن شق صف العرب وأحدث شرخاً عميقا بينهم؟ وأنه هو مَن أجَاءَ الكويت إلى أميركا؟ هل نسوا أن الولايات المتحدة الأميركية قبل الغزو العراقي عرضت على الكويت استئجار جزيرة بوبيان بمقابل مالي، فرفضت الكويت ذلك لأن نهجها كان رافضاً للوجود الغربي على أراضيها، وهي التي كانت ترفع شعار «الكويت بلاد العرب» قولاً وفعلاً؟ هل نسي هؤلاء أن خذلان بعض العرب للكويت هو ما اضطرها لوضع يدها في يد التحالف الدولي الذي قادته أميركا؟ لكنّ المثل يقول: «النار ما تحرق إلا رجل واطيها»، أي لا يشعر بالألم إلا مَن يتعرض له، ومَن يده في الماء ليس كمَن يده في النار. القواعد الأميركية في الكويت والخليج جاءت حاجةً لا حباً، جاءت اضطراراً لا اختياراً، جاءت بعد أن خذلنا إخوتنا. إنهم قوم يلومون الضحية ويمجّدون الجلاد، يلعنون النتيجة ويغضون الطرف عن السبب، يلومون المصفوع على تأوهه، والمطعون على استغاثته، ويدبّجون الأعذار للمجرم. في أغسطس 1990 لم يكن في الكويت قواعد أميركية، لكننا شهدنا الرقصة الشامتة إياها. وها هي الرقصة ذاتها تتكرر، لكن بمزمار مختلف.

الظريف أن بعض مَن يلوم الكويت ودول الخليج على وجود القواعد الأميركية، بعض هؤلاء يحمل جوازات سفر أميركية أو غربية. وبعضهم الآخر لو أتته فرصة للحصول على الـ«غرين كارد» أو الجواز الأميركي لذهب إليها ولو حَبْواً. يبيحونها لأنفسهم، ويحرمونها علينا. وهذا والله التناقض في أبهى صوره! {يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا لِمَ تَقولونَ ما لا تَفعَلونَ}؟

في 1990، ظن صدّام حسين أن تحرير فلسطين لا يكون إلا باجتياح الكويت. وفي 2026، ظنت إيران أن الرد على أميركا وإسرائيل ونصرة فلسطين لا يكونان إلا بتدمير دول الخليج. مسكينة فلسطين! ما فتئت ورقة يُلعب بها وتُلهب بها مشاعر ضعاف الذاكرة. كان أمام إيران فرصة تاريخية، لو أنها وجهت كل هذه الترسانة التي أمطرت بها دول الخليج إلى الكيان الصهيوني. لو فعلت لجعلته نسياً منسياً، ولتلقت تأييد المسلمين كافة، بل العالم برمته الذي ما عاد غافلاً عن جرائم الكيان الصهيوني. لكن إيران -واعجباً ووأسفاً- أبت أن تفعل.

لسنا سذجاً، ندري بالأطماع الأميركية الترامبية بالمنطقة ونفطها وخيراتها، ونعلم الخطة المبيّتة لرسم خريطة جديدة للشرق الأوسط وإقامة إسرائيل الكبرى. لكن أن يظن ظانٌّ أن هذا لن يُمنع إلا بتدمير دول الخليج والتشفي بها، فهو -من حيث لا يدري- يخدم الأجندة الصهيونية في إيغار قلوب المسلمين بعضها على بعض، وتفكيكهم، وتحويلهم لقمة سائغة.

هذا بلاغ للشاتمين، وبيان للشامتين. راجعوا أنفسكم، أحبوا لإخوانكم ما تحبون لأنفسكم، التمسوا ولو عذراً واحداً لا سبعين، ادرأوا الفتنة والشقاق ولو بشق كلمة حق تلقون بها الله. تعلموا الدرس، فالتاريخ لا يعيد نفسه إلا إذا وجد قوماً لم يتعلموا منه.

ظنوا الخليج جملاً قد وقع، فأشهروا سكاكينهم وألسنتهم الحِدَاد الأشحّة على الخير. لكن الخليج ليس جملاً، الخليج عنقاء تقوم من تحت الرماد أقوى وأكثر حياة. سيحلّق الخليج-العنقاء مجدداً -بعون الله وأعيُنه- نحو النور، والإنجاز، والرخاء.

hayatalyaqout@