ليس أدلّ على دخول «بلاد الأرز» منطقة الأعاصير الأعتى من التَشابُك بين المواجهة الإسرائيلية المتدحْرجة مع «حزب الله»، والموصولة أساساً بـ «الحرب الأم» مع إيران، وبين طلائع الأزمة السياسية التي أطلّت برأسها من خلْف ضرْب لبنان بيدِه على طاولةِ الاعتراض على توريط طهران له في معركةٍ لم يَخْتَرْها وتولّي عناصر من الحرس الثوري إدارة «أزرارها» من بيروت التي لم تتوانَ عن طرْد السفير الإيراني المعيّن لديها بوصفه «غير مرغوب فيه».
وفي وقت كانت أول تَشظياتِ قرار وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي بسحْب اعتماد السفير الإيراني محمد رضا شيباني تصيب حكومةَ الرئيس نواف سلام بمقاطعةِ وزراء الثنائي الشيعي «حزب الله» وحركة «أمل» الجلسة التي عقدتها الخميس، بذريعة عدم التراجع عن «الخطوة المتهوّرة» ومن دون أن يتم الجزم بالمخرج الذي سيتيح لهم «النزول عن شجرة» الاعتكاف عن حضور اجتماعات مجلس الوزراء، فإنّ هذا الملف الذي جاء على خط الانقسام السياسي العمودي حيال الحرب واقتياد الوطن الصغير إليها رغماً عن الدولة التي كانت تعمل وإن بخطوات مرتبكة على المضيّ بتنفيذ قرار سحْب سلاح الحزب، لم يَحجبْ الأنظارَ عن المَساريْن العسكري والديبلوماسي ذات الصلة بجبهة لبنان واللذين يرتبطان حُكْماً بديناميةِ «أم المعارك» مع إيران.
وفيما حَبَسَ العالمُ أنفاسَه مع اقترابِ نفاذ مهلة الأيام الخمسة، الجمعة، التي مَنَحَها الرئيس دونالد ترامب للموافقة «بالأحرف الأولى» على وثيقة البنود الـ 15 لإنهاء الحرب لمرة واحدة وأخيرة تحت عنوان «لا تخطئوا الحساب مجدداً»، وسط انفتاح الاحتمالات على «ضربة قاضية» لوّح بها البنتاغون بحال لم تَستجِب طهران للشروط الأميركية، وعلى خيارٍ بَرّي للسيطرة على جزر تطلّ على مضيق هرمز، أو منْح واشنطن فرصةً لشهرٍ من وَقْفِ نارٍ لمزيد من بحث النقاط الـ 15، فإنّ لبنان كان على أعصابه وهو يرصد السباقَ بين الدبلوماسية وطبول الانفجار الأكبر للحرب باعتبار أن كليْهما مدجّج بمخاطر عالية على واقعه الموصول والمنفصل في الوقت نفسه عن جبهة إيران.
ففي حين بدا جلياً من سياقاتِ حرب إسناد حزب الله لإيران منذ إطلاقها في 2 مارس، أن الأخير يرتقي بها بما يتناسب مع مقتضيات إطالة طهران أمد المعركة ما أمكن على قاعدة زيادةِ الضغطِ على الاقتصاد العالمي والمضيّ بوضع المنطقةِ معها في «مَرْكَبٍ واحد»، وهو ما سيَعْني المزيدَ من انغماسِ الحزب في الحربِ بجولتها الأكثر جهنّمية في حال أٌقفلت نافذة التفاوض اليوم، فإنّ الاحتمالَ وإن غير الراجح بحصولِ اتفاقِ شاملٍ مع الجمهورية الإسلامية، أو إمكانِ استخدام «كوّة» وَقف النار لشَهر لتعميق المفاوضات، لم يخفّفا من القلق اللبناني من استجلابِ نكباتٍ إضافية على بلادٍ عالقة بين مطرقة عاصفة النار وسندان رياح ساخنة سياسية داخلية تُنْذِر بتأزُّمٍ متدحرج.
قلق مزدوج
ومردّ هذا القلق وفق أوساط واسعة الإطلاع مزدوج:
- الجانب الأول منه أن أيّ إنهاءٍ للحرب خصوصاً وقفِ النار (شهراً) لاستكمال التفاوض سيعني منْح إسرائيل وقتاً إضافياً تصرّ عليه لإكمال مهمتها العسكرية بوجه «حزب الله»، وإنجاز توسيع المنطقة العازلة جنوب الليطاني، وربما احتلال كامل مساحته أي 850 كيلومتراً مربعاً، ليكون ذلك ورقة القوة غير القابلة للنقض على أي طاولة تفاوضٍ لضمان التفكيك الكامل للبنية العسكرية للحزب وعدم إمكان «إحيائها» والتزام لبنان الرسمي بتعهداته التي تُوجت في 2 مارس بحظر جناحه العسكري.
وفي موازاة المواقف الإسرائيلية التي تصرّ على أن جبهةَ لبنان التي رَبَطَها حزب الله بالنار بحربِ إيران ستكون منفصلة عنها في أي سِلْمٍ أو أي وقف نار، لم يتوانَ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن بلورة ما سيكون بإعلانه أن جيشه يوسّع «المنطقة العازلة» في جنوب لبنان مؤكداً «أنشأنا منطقة أمنية حقيقية تمنع أي تسلل باتجاه الجليل والحدود الشمالية، ونحن نوسّع هذه المنطقة لإبعاد تهديد الصواريخ المضادة للدروع، ولإقامة منطقة عازلة أوسع».
وترافق كلام نتنياهو مع اشتعالٍ للميدان الذي تحدثت معطيات عن أن إسرائيل توغلت فيه جنوب الليطاني حتى عمق ما بين 8 و9 كيلومترات، والذي يشهد في الساعات الأخيرة مواجهات ضارية في مَحاور مِحورية، ولا سيما المحيطة بوادي الحجير - الذي يرتبط اسمه بمجزرة الميركافا في حرب 2006 – الذي تَقدّمت في اتجاهه القوات الإسرائيلية بعد معارك في القنطرة ورب ثلاثين والطيبة ودير سريان لتبلغ نهر الليطاني من أقرب النقاط التي تَفصله عن الحدود (تبعد نحو 6 كيلومترات فيما أبْعدها نحو30 كيلومتراً)، في موازاة مواجهة لا تقلّ قسوة على تخوم مدينة بنت جبيل ذات الرمزية الكبيرة لـ «حزب الله» (إذ منها أطلق السيد حسن نصرالله، بعد تحرير العام 2000 عبارة أوهن من بيت العنكبوت).
- أما الجانبُ الثاني من مرتكزات قلق بيروت من مَسار الحلِّ على جبهة إيران، فينطلق من أنّ مصلحتَها المباشرة في أن ينسحب وقف النار أو التسوية الشاملة مع طهران على جبهتها بات مزنّراً بألغامِ تنطوي على محاولةٍ من الجمهورية الإسلامية لجعل ملف لبنان ورقةً على طاولتها عوض أن يكون هو مَن يدير «اليوم التالي» الخاص به ضمن مفاوضاتٍ سبق أن أرسى إطارها الناظم عبر مبادرةٍ من الرئيس جوزف عون، لتفاوض مباشر مع إسرائيل، لا يريده «حزب الله» وأعاق انطلاقَه برفْضه وقف القتال وفصل الجبهة عن إيران، قبل أن تُعْلي الأخيرة شعار «وحدة الجبهات» في وَقْفِ الحرب وتشترط ذلك على واشنطن في مَسار التفاوض الأخير.
وفي حين أضمر موقف إيران، وفق خصومها، رغبةً في تأكيد «الأمر لي» في لبنانِ حرباً وسلماً، بما يَسْحَبُ واقعياً البساطَ من تحت الدولة اللبنانية في أي مفاوضاتٍ منفردة يشكل ركيزتَها مصيرُ سلاح حزب الله في نهائيته - في حال قُيض للنظام الإيراني البقاء رغم جراحه الكبيرة – فإنّ ملامح محاولات لبنانية ودولية وعربية تَبْرز لشمولِ «بلاد الأرز» في أي مَسارِ حلّ أو تهدئةٍ وبما يُفْقِد طهران القدرة على استخدام جبهة لبنان عسكرياً ثم سياسياً على حساب المصلحة والسيادة اللبنانية.
مبادرة مصرية
وفي هذا الإطار تركّزت الأنظار على محادثات وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي، في بيروت التي أعلن منها أن القاهرة «ستستمر في تقديم كل سبل المساعدات والدعم الممكن للبنان الشقيق وتسخير شبكة اتصالاتها بالأطراف الإقليمية والدولية المعنية كافة، من أجل دعم التهدئة ووقف الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية اليومية ونزع فتيل التصعيد في لبنان وفي المنطقة كلها».
وقال: «كلكم على علم بالوساطة التي تقوم بها مصر بالتعاون مع الأشقاء في باكستان وتركيا وبالتنسيق مع الأطراف الإقليمية والدولية لوقف التصعيد، لأن خروج الأمور عن نطاق السيطرة يشكل لنا خسارة جميعاً، سواء في الإقليم أو في العالم لما لها من تداعيات خطيرة على الأوضاع الاقتصادية والجيوإستراتيجية».
وخلال لقائه عون، نقل عبدالعاطي، رسالة دعم وتأييد من الرئيس عبدالفتاح السيسي، مشيداً بحكمة رئيس الجمهورية ومواقفه ومبادراته، مشيراً إلى أن بلاده تجري اتصالات مع الأطراف القادرة على الضغط من أجل وقف القتال، وأنها وجّهت رسائل عدة إلى المسؤولين الإسرائيليين للتوقف عن الأعمال العدائية ضد لبنان وقصف القرى والبلدات والجسور والأماكن المدنية وتهجير سكانها أو العاملين فيها، ومعرباً عن أمله في «أن تؤدي العقلانية والرؤية الرشيدة التي يدير فيها الرئيس عون، الملف إلى المحافظة على سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها وحماية السلم الأهلي، ليتمكن لبنان من لعب دوره المميز في محطيه العربي وفي العالم».
وفيما أكد إدانة مصر «بكل قوة كل الانتهاكات الإسرائيلية اليومية التي تتم ضد أمن وسيادة واستقرار ووحدة وسلامة الأراضي اللبنانية، بالإضافة إلى الأهمية البالغة لتنفيذ القرار الأممي 1701 وضرورة الانسحاب الإسرائيلي الكامل من كل الأراضي اللبنانية»، أبلغ عون إلى عبدالعاطي «أن المبادرة التفاوضية التي أعلنها قبل أيام، تهدف إلى وقف التصعيد العسكري، وانهاء الاحتلال الإسرائيلي لمناطق عدة في الجنوب، وبسط سلطة الدولة اللبنانية حتى الحدود المعترف بها دولياً، ومنع أي وجود مسلح غير الجيش اللبناني والقوات المسلحة للدولة، ومصادرة السلاح وتثبيت الأمن والاستقرار على طول الحدود، وتحقيق حصرية السلاح بيد الدولة وحقها وحدها في إعلان حالتي الحرب والسلم»، معتبراً أن عدم تجاوب إسرائيل مع هذه المبادرة حتى الآن، يبقي الوضع العسكري متدهوراً ويزيد من معاناة اللبنانيين.
وشدد عون على «أن لبنان لا يريد أن يكون مسرحاً لحروب الآخرين على أرضه، وأن الموقف الرسمي اللبناني مما حصل على الحدود فجر الثاني من مارس الجاري، صدر عن مجلس الوزراء وعكس خيار اللبنانيين في ضرورة إبعاد وطنهم عن النزاعات الخارجية».
مقاطة اجتماع الحكومة
في موازاة ذلك، كانت الحكومة تعقد اجتماعاً تطرق إلى مطالبة وزير المال الإسرائيلي بضم المنطقة الواقعة جنوب الليطاني إلى إسرائيل، وقال خلاله سلام: «قامت إسرائيل بتفجير أكثرية الجسور الواقعة على نهر الليطاني بمسعى لفصل هذه المنطقة عن بقية الأراضي اللبنانية. ترافق ذلك عملية تهجير جماعي لسكان المدن والقرى الواقعة جنوب الليطاني وعملية قضم يومي للأراضي وهدم منازلها وأحياناً بتجريفها بالكامل وكأنها إشارة أن لا عودة للمدنيين لمنازلهم في القريب العاجل. نعتبر هذه الأفعال والأقوال، تحت أي عنوان كان مثل الحزام الأمني أو المنطقة العازلة، أمراً خطيراً للغاية يهدد سيادة لبنان وسلامة أراضيه وحقوق أبنائه، كما يتناقض تماماً مع القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني وميثاق الأمم المتحدة، لذلك أطلب من وزير الخارجية والمغتربين القيام فوراً بتقديم شكوى أمام مجلس الأمن بهذا الخصوص، كما أني سأتواصل مباشرة مع أمين عام الأمم المتحدة فور انتهاء هذه الجلسة للهدف عينه».
ولم تحضر في الجلسة أزمة طرْد السفير الإيراني، وهي الخطوة التي تمت بالتنسيق الكامل مع عون وسلام، وقابلها وزراء الثنائي الشيعي بمقاطعة اجتماع الحكومة رفضاً للقرار واعتراضاً على عدم التراجع عنه، وسط غموض حيال الخطوة التالية لهم في ضوء الإصرار الرسمي على الثباتِ على هذا القرار وطَرْح مَخارج لبنانية في الكواليس راوحتْ بين اعتذار من السفير المعيّن أو من الخارجية الإيرانية أو تسمية سفير آخَر، وتوقعاتٍ بأنه في حال أصرّت طهران على التمرّد على خطوة بيروت فإن شيباني، ستحوّل أشبه بـ «زائر» في مقر السفارة وبرسْم الترحيل ما أن يغادرها بعدما فقد الحصانة الدبلوماسية.
وإذ برز كَسْرُ الوزير فادي مكي (الشيعي الخامس في الحكومة) قرار مقاطعة الجلسة، وهو ما قوبل بحملة كبيرة عليه من قريبين من الثنائي الشيعي، أوردت قناة «العربية /الحدث»، نقلاً عن مصادر أن الرئيس نبيه بري «يتعرض لضغط إيراني لمواجهة الدولة في موضوع طرد السفير» وأن «حزب الله وإيران يريدان إسقاط حكومة سلام، بينما لايزال بري يرفض ذلك، ويكتفي بالضغط السياسي والمقاطعة»، ولافتة إلى «أن الجانب الإيراني يريد من بري موقفاً واضحاً ضد الولايات المتحدة».