قلبت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير الماضي على إيران الأسواق رأساً على عقب، ورفعت أسعار الوقود وأججت المخاوف من التضخم في العالم وزعزعت التحالفات الغربية التقليدية.
وقال محلل الأسواق في شركة «آي.جي»، توني سيكامور، إن تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتدمير منشآت الطاقة الإيرانية وضع قنبلة موقوتة مدتها 48 ساعة ليتزايد بها الغموض الذي يكتنف المشهد في الأسواق. إذا لم يتم التراجع عن هذا الإنذار، فمن المرجح أن نشهد حالة سقوط حر لأسواق الأسهم العالمية عند فتحها في يوم اثنين أسود، وارتفاعاً حاداً في أسعار النفط.
وأضاف أن من المرجح أن تستهدف طهران منشآت طاقة في دول الخليج، الأمر الذي «سيؤدي إلى تعميق وإطالة أمد المعاناة من ارتفاع أسعار الطاقة ودفع الصراع إلى أزمة أوسع في المنطقة».
وارتفعت أسعار النفط الجمعة وبلغت أعلى مستوى منذ ما يقرب من 4 سنوات عند التسوية، بعد أن أعلن العراق حالة القوة القاهرة على جميع حقول النفط التي تطورها شركات أجنبية، وبعد أن هاجمت إسرائيل حقل غاز رئيسي في إيران، وردت طهران بشن هجمات على السعودية وقطر والكويت.
وتسببت الهجمات الإيرانية في إغلاق مضيق هرمز فعلياً، حيث يمر نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية، في أسوأ أزمة نفط منذ السبعينات. وأدى إغلاقه شبه الكامل إلى ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بنسبة تصل إلى 35 % الأسبوع الماضي.
وأظهرت بيانات تتبع السفن أن بعض السفن، مثل تلك التي ترفع العلم الهندي وناقلة نفط باكستانية، تمكنت من عبور المضيق بأمان.
وقال سيكامور إن فكرة ترامب في استهداف البنية التحتية الإيرانية هي جعل إغلاق هرمز غير محتمل اقتصادياً وسياسياً لطهران، دون تدمير حقول النفط الإيرانية، وهو من شأنه أن يسبب أضراراً طويلة الأمد للإمدادات العالمية.
وبينما يبدو المشهد في وول ستريت مستقراً نسبياً، تكشف الصورة خارج الولايات المتحدة عن ضغوط متزايدة في الأسواق العالمية، في ظل تداعيات الحرب والتوترات الجيوسياسية، ما يطرح تساؤلات حول حقيقة ما يجري خلف هذا «الهدوء».رغم التراجع المحدود في S&P 500، تشير بيانات الأسواق العالمية -وفق تقارير «بلومبرغ»- إلى خسائر أكثر عمقاً في عدة اقتصادات رئيسية.فقد تراجعت الأسواق في اليابان بأكثر من 8 %، وانخفضت بنحو 7.5 % في فرنسا، إضافة إلى هبوط يقارب 7 % في ألمانيا.
وتعكس الأرقام نمطاً مختلفاً لما يحدث في السوق، حيث لا تشهد انهياراً حاداً، بل ما يُعرف بـ «البيع البطيء» أو Slow Motion Selloff، وهو انسحاب تدريجي من الأصول الخطرة دون إثارة الذعر.لماذا يبدو كل شيء «هادئًا»؟ يعود هذا الهدوء النسبي إلى رهان شائع بين المستثمرين يُعرف بـ«Trump Put»، في إشارة إلى الاعتقاد بأن دونالد ترامب لن يسمح بانهيار الأسواق، خاصة مع حساسية أسعار الوقود وتأثيرها على المزاج الانتخابي.
لكن هذا الرهان يحمل مخاطرة كبيرة، إذ إن ما يحدث ليس مجرد دورة اقتصادية أو قرار نقدي، بل تطورات جيوسياسية معقدة يصعب التنبؤ بها.
وتفترض الأسواق حالياً أن الأزمة ستكون قصيرة الأجل، وأن احتواءها سيتم بسرعة، لكن في حال استمرار التوترات وارتفاع أسعار النفط، قد يتحول المشهد إلى ما يُعرف بالركود التضخمي، وهو أسوأ سيناريو اقتصادي يجمع بين تضخم مرتفع، تباطؤ أو ضعف في النمو، ومعضلة البنوك المركزية. في هذا السيناريو، تجد البنوك المركزية نفسها أمام خيارين أحلاهما مر: رفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم أو خفضها لدعم النمو الاقتصادي.
وفي كلتا الحالتين، تكون الكلفة مرتفعة على الأسواق والاقتصاد.رغم هذه المخاطر، لا تتجه الأسواق إلى البيع العشوائي، بل تتبنى إستراتيجية أكثر هدوءاً تقليل الانكشاف على الأصول الخطرة، زيادة السيولة، وإعادة توزيع المحافظ الاستثمارية تدريجياً.وتفسر هذه الإستراتيجية غياب الانهيارات الحادة رغم تزايد الضغوط.