مخاوف الأمن الغذائي وتراجع الاستهلاك اضطرارياً يُهددان الاستقرار دولياً

تكلفة «حرب إيران»... الاقتصاد العالمي يُعاني صدمة تاريخية من الطاقة إلى الأسمدة

تصغير
تكبير
,

كتبت الحرب في الشرق الأوسط سيناريو مروعاً بالنسبة لقطاع الطاقة على مستوى العالم، إذ تسبّبت في انخفاض حاد في الإمدادات مما اضطر المستهلكين إلى دفع مبالغ طائلة وخفض استهلاكهم في الوقت نفسه.

وأدى الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، إلى منع مرور 20 % من النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم منذ أن بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل شن غارات جوية على إيران.

وفي الوقت نفسه، استهدفت الضربات المستمرة المتبادلة بين إيران وإسرائيل البنية التحتية للطاقة في الشرق الأوسط، ما تسبّب في أضرار لحقول الغاز ومصافي النفط والموانئ يقول ممثلون للقطاع إن إصلاحها سيستغرق سنوات.

ويضاف كل ذلك إلى ما وصفته وكالة الطاقة الدولية بالفعل بأنه أسوأ اضطراب عالمي في قطاع الطاقة في التاريخ، متجاوزاً حتى حظر النفط العربي عام 1973 الذي تسبب في نقص الوقود وأدى إلى أضرار اقتصادية واسعة النطاق.

وقال كبير مسؤولي الاستثمار في شركة بيكرينج إنرجي بارتنرز، دان بيكرينج: «لا يمكن التغلب على هذه الأزمة بالتوفير. ما سيحدث هو ارتفاع الأسعار إلى درجة تجعل الناس يتوقفون عن الاستهلاك».

وحتى الآن، أدت الأزمة إلى فقد السوق لنحو 400 مليون برميل من الإمدادات ما يعادل الإمدادات العالمية في 4 أيام مما أدى إلى ارتفاع الأسعار.

وقال نائب الرئيس الأول في شركة الاستشارات ريستاد إنرجي أديتيا ساراسوات: «اتساع نطاق المخاطر هنا في مجال الوقود والمواد الكيميائية والغاز الطبيعي المسال ومدخلات الأسمدة ما يجعل هذه المرة مختلفة نوعياً عن الحلقات السابقة من سلسلة التوتر في منطقة الخليج».

ومن ناحية أخرى فإن صدمات أسعار الطاقة تغذي التضخم، ما يضر بالمستهلكين والشركات بشدة. وصار هذا عبئاً سياسياً كبيراً على الرئيس دونالد ترامب في سعيه لتبرير الحرب أمام الرأي العام الأميركي.

وارتفعت أسعار النفط بالفعل بأكثر من 50 % لتصل أكثر من 110 دولارات للبرميل منذ بدء الحرب، وزادت الآثار وضوحاً بالنسبة لخامات الشرق الأوسط التي تعد عنصراً أساسياً للاقتصادات الآسيوية إذ سجلت الأسعار مستويات قياسية قاربت 164 دولاراً للبرميل.

وأدى ذلك إلى ارتفاع أسعار وقود النقل، ما شكّل ضغطاً على المستهلكين والشركات في أنحاء العالم ودفع الحكومات إلى اتخاذ إجراءات للحفاظ على الإمدادات.

وعلى سبيل المثال، أمرت تايلند الموظفين المدنيين بتوفير الطاقة من خلال تعليق الرحلات الخارجية واستخدام السلالم بدلاً من المصاعد، بينما أغلقت بنغلاديش جامعاتها.

وفرضت سريلانكا قيوداً على استهلاك الوقود، وحظرت الصين صادرات الوقود المكرر، وشملت خطة الطوارئ الخاصة بالطاقة التي وضعتها الحكومة البريطانية خفض حدود السرعة لتوفير الوقود.

وعرضت وكالة الطاقة الدولية مقترحات لخفض الطلب مثل العمل من المنزل وتجنب السفر الجوي، الذي تعرض بالفعل لاضطرابات شديدة بعد أن أجبرت الحرب على إغلاق مطارات رئيسية في الشرق الأوسط.

ووافقت الوكالة الدولية للطاقة في وقت سابق من هذا الشهر على صرف كمية قياسية تبلغ 400 مليون برميل من النفط من مخزونات الطوارئ. لكنّ المحللين يقولون إن هذه الخطوة ضئيلة للغاية، إذ إن 400 مليون برميل لا تغطي سوى نحو 20 يوماً من تأثير الحرب.

وقالت المحللة في جي.بي مورغان ناتاشا كانيفا، إن خفض الطلب هو الحل الوحيد عندما تنخفض الإمدادات.

وأضافت: «تواجه السوق نقصاً حاداً في المنتجات التي لا يمكن استهلاكها لمجرد أنها غير متوافرة. وبالنسبة لكل المتوافر من الإمدادات، فإن الأسعار ترتفع بشكل حاد».

وسجلت أسعار وقود الطائرات في أوروبا مستوى قياسياً بلغ نحو 220 دولاراً للبرميل وهي تكلفة من المرجح أن تنعكس بسرعة على أسعار تذاكر الطيران. وفي الولايات المتحدة، التي تستورد كميات قليلة جداً من النفط من الشرق الأوسط، ارتفعت أسعار بيع البنزين بالتجزئة بأكثر من دولار للغالون منذ 28 فبراير لتصل إلى نحو 4 دولارات للغالون.

وترتفع أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا وآسيا بشكل حاد بعد الضربات المتبادلة بين إسرائيل وإيران في الأيام القليلة الماضية والتي استهدفت منشآت للغاز في منطقة الخليج. وقد ترتفع تكاليف الطاقة للمستهلكين أيضاً.

من جانبه قال الرئيس التنفيذي لشركة قطر للطاقة سعد الكعبي لـ «رويترز» إن الهجمات الإيرانية ستؤدي إلى توقف إنتاج 12.8 مليون طن سنوياً من الغاز الطبيعي المسال أي نحو 3 % من الإمدادات العالمية لمدة تتراوح بين 3 إلى 5 سنوات.

وقال الأمين العام للاتحاد الدولي للغاز مينيلاوس يدريوس، إن الوضع حرج لأن منتجات النفط والغاز ضرورية لكل شيء، بدءاً من الأدوية ووصولاً إلى البلاستيك والأسمدة.

وأضاف في بيان: «ندعو مرة أخرى إلى الوقف الفوري لاستهداف منشآت الطاقة وإلى استئناف حركة الشحن عبر مضيق هرمز، لأن الأسمدة والبتروكيماويات المستخدمة في صناعة الأدوية والنفط والحبوب والغاز كلها أمور ضرورية لوجودنا».

وتهدّد الحرب أيضا إمدادات الغذاء، إذ تسبّبت في اضطراب شديد في أسواق الأسمدة لأن نحو ثلث التجارة العالمية في الأسمدة يمر عادة عبر مضيق هرمز.

وارتفعت أسعار المنتجات التي تحتوي على النيتروجين مثل اليوريا، وهي أهم منتجات الأسمدة، بنسبة تتراوح بين 30 و40 % منذ بدء الصراع. وكان المزارعون الأميركيون قد أبلغوا بالفعل عن خلو رفوف المتاجر قبل موسم الزراعة الربيعي.

وتتحرك مصانع الأسمدة في الهند وبنغلادش وماليزيا باتجاه وقف الطلبات أو خفض الإنتاج أو الإغلاق التام بسبب نقص المواد الأولية.

وقال كبير خبراء الاقتصاد في منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) ماكسيمو توريرو، إن استمرار الصراع لبضعة أسابيع أخرى فقط سيؤدي إلى اضطراب كبير في إمدادات الغذاء العالمية.

وأضاف: «سيؤثر هذا على الزراعة وسيكون هناك انخفاض في إمدادات السلع الأولية في العالم من الحبوب الأساسية والأعلاف وبالتالي من منتجات الألبان واللحوم».

ويُزرع نحو نصف الغذاء في العالم باستخدام الأسمدة، التي تمثل في بعض البلدان ما يصل إلى نصف تكلفة إنتاج حبوب.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي