صحيح أن إعلانَ اسرائيل اغتيال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، وقائد قوات «الباسيج» غلام رضا سليماني يرتبط بدينامياتِ الحرب التي تشتدّ عَصْفاً على جبهة إيران، إلا أن أبعادَ هذا التطور الدراماتيكي الجديد تطلّ على الواقع في «بلاد الأرز» في ضوء «الأوعية المتصلة» بالكامل بينه وبين ملعب النار الرئيسي الذي أشعل «حزب الله» حرب لبنان الرابعة باسمه وثأراً للمرشد علي خامنئي.
فالموجةُ الثانيةُ من الاغتيالات لرؤوس النظام في إيران، بعد الأولى الافتتاحية للحرب والتي أطاحت بخامنئي وقادة كبار، تردّد صداها بقوة في لبنان الذي منذ أن اختار «حزب الله» ربطه بوحدة مسار ومصير مع «الجمهورية الإسلامية» ومآلات معركة البقاء التي تخوضها والتي أسقطت معها القناعَ عن عداء كامن لدول الخليج العربي، بات مَحْكوماً بالمدى الذي ستبلغه واشنطن وتل ابيب في المواجهة الأخيرة مع طهران، ليس فقط كون نتائجها ستترك ارتداداتٍ مباشرةً على الحزب والمعركة معه بل لأنّ طبيعة كل تصعيد على «الجبهة الأم» يؤكد المؤكد لجهة عمق ما سيكون تجاه ذراعه الأقوى والتي باتت «بلاد الأرز» واقعياً رهينة خياراتها رغم محاولات الدولة اجتراح طوق نجاة أو أكثر، عبر مبادرات المفاوضات المباشرة وغيرها، لتجنيبها طوفان الدم والدمار.
والوقع الأوّل لتبنّي اسرائيل استهداف الرجل الأقوى في إيران منذ اغتيال خامنئي لم تظهّر فقط التَفَوُّقِ العسكري والأمني والاستخباراتي الكاسح لواشنطن وتل ابيب والذي أتاح المضيّ في تصفية رموزٍ فوق عادية في الجمهورية الإسلامية و«الصفوف البديلة» من القادة الأصيلين، وأبرزهم لاريجاني «الموصى» به من المرشد السابق بإدارة البلاد في حال تصفيته ونجله مجتبى، بل هي عبّرتْ أيضاً عن أن الفترةَ الفاصلةَ عن نهاية «زئير الأسد» و«الغصب المَلْحَمي» ستكون حبلى بمزيد من المفاجآت والضربات التي بدا واضحاً أنها تهدف إلى تقويض ركائز الهيكلية «المتغيّرة» تباعاً للقيادة السياسية – العسكرية للنظام الذي تنخره الجِراح وتوفير الظروف لانهياره من الداخل عبر تسهيل الانقضاضِ عليه شعبياً وهو ما عكسه اغتيال قائد «الباسيج».
استشهاد 3 عسكريين
وهذه «الإشارة» البالغة الأهمية تتطلّب وفق أوساط مطلعة «لَبيباً» يَفْهمها في لبنان الذي توغل اسرائيل في عملية برية ضدّه (عبر الفرقتين 36 و 91) تشي باحتمالاتٍ أقل سيناريواتها كارثية اقتطاع منطقة بعمق ما بين 5 و10 كيلومترات وأكثرها سوءاً اجتياح واسع النطاق يتجاوز جنوب الليطاني وربما نحو الأولي، وسط تحذيرات جديدة أمس لسكان المناطق جنوب نهر الزهراني بوجوب الإخلاء، وغاراتٍ عنيفة بقاعاً وعلى الضاحية الجنوبية لبيروت وفي الجنوب حيث برز الثلاثاء، إعلان الجيش اللبناني استشهاد عسكري وإصابة 4 آخرين بجروح بعضها خطرة في منطقة قعقعية الجسر- النبطية «نتيجة غارة إسرائيليّة معادية أثناء تنقّلهم بواسطة سيّارة ودرّاجة ناريّة»، قبل ان تتحدث تقارير عن «ان مسيّرة إسرائيليّة استهدفت دراجة ناريّة في بلدة زبدين (قضاء النبطية) ما أدى إلى استشهاد عسكرييْن».
وفيما كان حَبْسُ الأنفاسِ يتجدّد على وهج طلائع ردّ إيراني صاروخي على اسرائيل رغم عدم الاعتراف باغتيال لاريجاني، وترقُّب تصعيد موازٍ من «حزب الله»، عبّرت الأوساط المطلعة نفسها عن خشية من الآتي في ضوء تثبيت اسرائيل تجاه طهران أولاً أن الكلمة الأولى ما زالت للميدان ولإزالة ما أمكن من «الأهداف» العسكرية والبنيوية وهزّ أركان النظام في إيران وترْكه على حافة الانهيار، وتالياً توجيه رسالة بأن هذه الحرب ليست كسابقاتها على أي جبهةٍ بل يراد أن تكون... الأخيرة.
وهذا الواقع يجعل نافذة الدبلوماسية مقفلة حتى إشعار آخر وريثما تشعر تل ابيب ومن خلفها واشنطن بأنّ التفاوضَ - وأياً تكن مرتكزاته «المغرية»، مثل جعله مباشراً مع لبنان ومفتوحاً على اعتراف بدولة اسرائيل وعلى اتفاق عدم اعتداء معها - سيتوّج نتائج الأرض ويقطع الطريقَ على أيّ مراوغاتٍ في ما خص عناوين – مفاتيح وفي مقدّمها سلاح «حزب الله» الذي تفضّل الدولة العبرية معالجته بيدها في ضوء اقتناعها بأن الحكومة اللبنانية غير قادرة على سحْبه وغير راغبة في القيام بذلك بالقوة في ظلّ رفض الحزب تفكيك ترسانته وإفقاده بيروت ورقةً ذهبيةً لاستدراج تَفاوُضٍ مبكّر، أي قبل تثبيت التوغّل البري، وذلك من خلال تقاطعه مع اسرائيل على رَفْضِ وقف نار لا يريده ما دامت الحرب مع ايران مستمرة.
ولعلّ العامل الأكثر خطورة، بحسب الأوساط نفسها، يتمثّل في أنّ المؤشرات تزداد إلى حجم الغطاء الذي تحظى به اسرائيل في اجندتها تجاه «حزب الله» من الولايات المتحدة، غير المتحمسة بدورها لمفاوضاتٍ مباشرة الآن، طرحها لبنان عبر الرئيس جوازف عون ولاقتْها فرنسا بأفكار أحرجت بيروت في مضمونها الموغل بأبعاد سياسية نهائية، وخصوصاً أن الدولة اللبنانية عاجزة عن التصرف وفق وعودها تجاه سحب سلاح حزب الله وأن الأخير هو الذي يقوّض واقعياً شرطها بأن يسبق وقف النار أي تدشين لطاولة التفاوض المباشر.
ترامب... «مشكلة كبيرة»
ولم يكن عابراً في هذا الإطار ما قاله الرئيس دونالد ترامب مساء الاثنين من ان «حزب الله مشكلة كبيرة ويتم القضاء عليه بسرعة كبيرة»، مضيفاً أنه «مشكلة كبيرة في لبنان منذ زمن طويل»، في الوقت الذي كرر وزير الخارجيّة الإسرائيلي جدعون ساعر «أنّنا نتوقّع من حكومة لبنان اتخاذ إجراءات فوريّة لوقف الهجمات على إسرائيل من لبنان».
وفي موازاة ذلك، وفي حين برز لبنانياً طلب وزير الإعلام بول مرقص من وسائل الإعلام الرسمية عدم استخدام مصطلح «المقاومة» عند الإشارة إلى حزب الله، وذلك في إطار متابعة «تنفيذ قرار مجلس الوزراء في جلسة 2 مارس والذي جرى تأكيد ضرورة تنفيذه في الجلسة التي تلتها» في إشارة الى قرار حظر الأنشطة الأمنية والعسكرية للحزب وإلزامه تسليم سلاحه، مضى الحزب في تعميق متاعب الدولة عبر الإمعان في إظهارها فاقدة لأي قدرة تأثير على سلاحه، وصولاً لاستحضار قريبين منه تجربة السلطة في رام الله بعد اتفاق اوسلو وما بعد اجتياح 1982 وإبرام لبنان اتفاق 17 مايو 1983، وذلك في سياق إعلان أن اي تفاوض مع اسرائيل محكوم إما بالغلبة لحمَلة السلاح الممسكين بزمام الميدان وإما بـ... انقلابٍ، وفي الحالين بتحويل ملف السلاح قنبلة مرشحة للانفجار بالبلاد.
«حزب الله» يُهدّد
وهذا ما عبّر عنه فعلياً كلام القيادي بـ«حزب الله» محمود قماطي الذي هدّد بأن «حكومة فيشي» كانت تعتقل المقاومين وتعدمهم ثم انتصرت المقاومة بقيادة ديغول واعدمت فيشي وحكومتها وأتمنى ألا تضع الحكومة نفسها في هذا الموقع، متوعداً«قادرون على قلب البلد والحكومة... ولكننا لا نفعل شيئاً وقرارنا الصبر على الداخل اللبناني الى أمد، ونصبر على الداخل وتصرفاته الحقيرة، قضاء واعتقال ومصادرة وحزب غير قانوني... نصبر قليلاً ولكن الى أمد لان لنا أولويات أخرى، الاولى التحرير والثانية الاستقرار فنحن ام الصبي... ولكن لصبرنا حدود».
وإذ لوّح بأن «أمام الحكومة أمران إذا تحرر البلد: الأول أن تعتذر من المقاومة أمام الشعب اللبناني وتسحب قراراتها وتؤكد شرعية المقاومة وتضع استراتيجية دفاعية مقاومة وجيش ودولة في مواجهة الأخطار على لبنان، وإذا لم تفعل ذلك ستنتظر التسونامي الشعبي والمحاكمة الشعبية وإسقاط هذه الحكومة»، أعلن نائب حزب الله» حسن عز الدين أن «التفاوض تحت النار مرفوض بالمطلق»، محذراً من «الانتقال من تفاهمات إلى الاعتراف بإسرائيل».
مجلس الأمن
وفي وقت كان مجلس الأمن يُجري مشاورات مغلقة في شأن تقرير الأمين العام للامم المتحدة انطونيو غوتيريش حول تنفيذ القرار 1701 تناولت الوضع في لبنان، أصدرت كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا بياناً مشتركاً دعت فيه إلى انخراط جدي من جانب الممثلين اللبنانيين والإسرائيليين للتفاوض على حل سياسي مستدام، معربين عن «القلق البالغ إزاء تصاعد العنف»، ومحذرين من أن أي هجوم بري إسرائيلي كبير سيؤدي إلى عواقب إنسانية مدمرة وصراع طويل الأمد.
وأكد البيان دعم الدول الخمس للجهود التي تبذلها الحكومة اللبنانية لنزع سلاح جماعة حزب الله المدعومة من إيران.