في مشهدٍ يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، يقف لبنان على مفترق طرق خطير مع إعلان إسرائيل رسمياً، في السابع عشر من مارس الجاري، بدء عملية برية «واسعة النطاق» في جنوب البلاد.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه التقارير الإسرائيلية عن أهداف «طموحة» لهذا الاجتياح، تكشف مصادر أميركية وإسرائيلية إضافية عن أفق مظلم للمرحلة المقبلة، قد لا يقتصر على احتلال طويل الأمد لجنوب لبنان، بل يمتد ليشمل سيناريوهات «خطيرة للغاية» تصل إلى وضع لبنان تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وفقاً لتحذيرات دبلوماسية نقلتها مصادر لبنانية موثوقة.
اجتياح إسرائيلي!
مع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، كشفت صحيفة «هآرتس» في تقرير لمحللها العسكري عاموس هرئيل، أن العملية المعلنة تحمل في طياتها «جانباً مضللاً» إلى جانب كونها «طموحة». وأوضح أن الكثير من البنية التحتية العسكرية لـ «حزب الله» بين الحدود ونهر الليطاني «تم تفكيكها منذ بداية الحرب في أكتوبر 2023»، وأن وجود الحزب في هذه المنطقة أصبح «محدوداً».
وأضاف أن الجيش الإسرائيلي يسيطر حالياً على مواقع مطلة ومرتفعة في قمم الجبال، وأن التقدم شمالاً حتى الليطاني سيلزم باحتلال مناطق ينبغي السيطرة عليها في شمال النهر، حيث انطلقت العديد من المسيرات والقذائف الصاروخية باتجاه إسرائيل في الأيام الأخيرة.
لكن اللافت في الموقف الإسرائيلي هو الاعتراف الواقعي من قبل مصادر عسكرية، نقلتها «هآرتس»، بأن «التهديد على إسرائيل من الأراضي التي تعلن أنها تعتزم احتلالها، محدود جداً».
وأضافت المصادر أن عملية برية بإمكانها «إحباط إمكانية توغل حزب الله إلى الأراضي الإسرائيلية وإطلاق قذائف مضادة للمدرعات باتجاه بلدات إسرائيلية مباشرة من منطقة الحدود»، لكنها شددت على أنه «ليس بالإمكان تحقيق هدوء طويل الأمد في شمال إسرائيل بواسطة بقاء قوات إسرائيلية كبيرة في لبنان، وإنما بواسطة تسوية سياسية».
وفي تطور لافت، كشف موقع «أكسيوس» نقلاً عن مسؤولين إسرائيليين وأميركيين، أن إسرائيل تخطط لتوسيع عمليتها البرية بشكل كبير بهدف «السيطرة على كامل المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني وتفكيك البنية التحتية العسكرية لحزب الله».
ووصف المسؤولون هذه العملية بأنها «الأكبر» من نوعها منذ عام 2006، حيث صرّح مسؤول إسرائيلي كبير قائلاً «سنفعل ما فعلناه في غزة»، في إشارة إلى تدمير المباني التي يتهم إسرائيل حزب الله باستخدامها لتخزين الأسلحة.
وتزامناً مع ذلك، كشفت صحيفة «هيوم» نقلاً عن مصادر سياسية رفيعة المستوى أن الرئيس دونالد ترامب «وافق على العملية البرية المحدودة لإسرائيل في جنوب لبنان، وأذن بتوسيعها إذا اقتضت الحاجة الميدانية ذلك».
على الجانب الأميركي، يدير الملف مسعد بولس، مستشار ترامب ومبعوث الولايات المتحدة لأفريقيا، وهو والد زوجة تيفاني ترامب.
ويجري بولس اتصالات مع مسؤولين إسرائيليين ولبنانيين وعرب منذ أيام لتسهيل المحادثات المباشرة بين إسرائيل ولبنان، وفقاً للمصادر نفسها. وتكشف هذه التحركات عن رغبة أميركية في استثمار الضغط العسكري للوصول إلى تسوية سياسية شاملة، حيث أكدت مصادر لموقع «أكسيوس» أن إدارة ترامب تريد استخدام هذه المفاوضات «لتمهيد الطريق لاتفاق أوسع ينهي رسمياً حالة الحرب بين إسرائيل ولبنان» والتي استمرت منذ عام 1948.
فخ الاجتياح البري واستمرار القدرات الصاروخية
ورغم الحديث عن تدمير جزء كبير من ترسانة الحزب، لاتزال قدراته الصاروخية تشكّل تهديداً حقيقياً. فبحسب تقديرات إسرائيلية نشرتها «هآرتس»، «لايزال بحوزة «حزب الله» نحو 15 ألف قذيفة صاروخية وطائرة مسيرة، وأن معظم القذائف الصاروخية متوسطة المدى لنحو 50 كيلومتراً، لكن بحوزته مئات القذائف الصاروخية لمدى أطول أيضاً وتصل إلى معظم المدن الإسرائيلية».
وفي 16 مارس، أعلن الحزب استهداف قواعد إستراتيجية، بما في ذلك قاعدة «ستيلا ماريس» على الساحل الشمالي، وقاعدة «عين شيمر» للصواريخ الاعتراضية، إضافة إلى استهداف مواقع إسرائيلية في جنوب لبنان.
تدويل الأزمة والفصل السابع!
لكن أخطر ما تكشفه المصادر الدبلوماسية هو السيناريو الذي يلوح في الأفق إذا استمرت الحرب من دون حل سياسي. فقد نقل مصدر دبلوماسي في بيروت تحذيره من «سيناريو خطير للغاية» يتم تداوله في الأوساط الدبلوماسية، يتضمن إمكانية انتقال الأزمة اللبنانية إلى «مرحلة دولية أكثر تعقيداً».
وأوضح أنه بعد رفع الغطاء السياسي عن الجناحين العسكري والأمني لحزب الله واعتبارهما خارج إطار الشرعية الحكومية، «إذا ثبت أن الدولة اللبنانية غير قادرة على تنفيذ قراراتها المتعلقة بنزع السلاح، فإن المجتمع الدولي قد يتحرك عبر مجلس الأمن».
ويضيف المصدر أن بعض السيناريوهات المطروحة تتضمن «إمكانية وضع لبنان تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة»، وهو ما سيرفع تنفيذ القرار 1701 إلى مستوى أكثر إلزاماً، وقد يتضمن «إجراءات سياسية واقتصادية قسرية، وربما عسكرية أيضاً، لضمان الامتثال للقرارات الدولية».
ويخلص المصدر إلى أن «لبنان يقف الآن على مفترق طرق خطير للغاية، حيث تتقاطع تداعيات الحرب الإقليمية مع الانقسامات السياسية الداخلية وعلامات الشلل الحكومي الواضحة».
الجدول الزمني
أما عن آفاق المرحلة المقبلة، فقد كشفت مصادر أمنية إسرائيلية لصحيفة «لوريان لوجور» اللبنانية أن إسرائيل تدرس استمرار الحرب «بضعة أسابيع إضافية في إيران، وبضعة أشهر في لبنان».
وتختلف الأهداف الإسرائيلية بين الجبهتين، فبينما تسعى بدعم أميركي إلى «انهيار النظام الإيراني ووقف طموحاته النووية»، فإنها تضغط في لبنان نحو «اتفاق سلام وتهدف إلى تفكيك حزب الله بالكامل».
ويبدو أن الموقف الأميركي من هذه الحرب معقد ومتشعب. فمن جهة، تقدم واشنطن الدعم الكامل لإسرائيل، ومن جهة أخرى تسعى لاحتواء التداعيات.
لبنان بين فكّي الاحتلال والتدويل
من خلال تجميع المشهد من المصادر الإسرائيلية والأميركية واللبنانية، يبدو لبنان محاصراً بين خيارين أحلاهما مرّ: إما احتلال إسرائيلي طويل الأمد للجنوب، قد يمتد لأشهر ويحول المنطقة إلى ساحة حرب استنزاف مفتوحة، كما حذر المحلل جاكي خوري في «هآرتس» من تكرار سيناريو 1982 حيث «بدلاً من منظمة التحرير الفلسطينية ظهر تنظيم جديد هو حزب الله».
وإما تدويل الأزمة عبر الفصل السابع، مع ما يعنيه ذلك من فرض إجراءات قسرية على الدولة اللبنانية قد تنهي سيادتها عملياً.
ووسط هذا المشهد القاتم، تبقى الحكومة اللبنانية في سباق مع الزمن: إما تحقيق اختراق سياسي دبلوماسي يعيد القرار العسكري إلى مؤسسات الدولة اللبنانية، أو الانزلاق نحو تدويل الأزمة بعواقب «عميقة على سيادة لبنان وأمنه واستقراره طويل الأمد».