يشهد الخليج العربي في الفترة الأخيرة حالة متزايدة من التوتر الجيوسياسي، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة المخاوف المتعلقة بأمن إمدادات الطاقة العالمية. ويتركز القلق الدولي بشكل خاص حول مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية. لذلك يطالب العديد من الأطراف الدولية بعدم إغلاق الخليج العربي، وبشكل أكثر تحديداً بعدم إغلاق مضيق هرمز، لما لذلك من تأثير مباشر على استقرار أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.

في هذا السياق، لا ترغب الإدارة الأميركية أيضاً في أي تصعيد قد يؤدي إلى تدمير جزيرة خرج الإيرانية، التي تعد أهم وأكبر ميناء لتصدير النفط الإيراني. فمن هذه الجزيرة تنطلق ناقلات النفط العملاقة التي تحمل أكثر من 70 ٪ من إنتاج إيران النفطي إلى الأسواق العالمية. وتمثل هذه المنشأة نقطة أساسية في منظومة تصدير النفط الإيراني، ولذلك فإن أي استهداف لها قد يؤدي إلى نقص كبير في الإمدادات النفطية العالمية. ويبرز هنا الدور الحيوي للخليج العربي، شمالاً وجنوباً، في حماية حركة الملاحة وضمان تدفق النفط إلى الأسواق الدولية.

تمر عبر مضيق هرمز يومياً كميات ضخمة من النفط الخام والمشتقات النفطية، تقدر بأكثر من 25 مليون برمي، إضافة إلى كميات كبيرة من الغاز. وتتجه غالبية هذه الصادرات نحو الدول الآسيوية مثل اليابان وكوريا الجنوبية والصين والهند، التي تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج لتلبية احتياجاتها من الطاقة. وفي حال إغلاق المضيق، سيكون من الصعب جداً، إن لم يكن مستحيلاً، إيجاد بدائل فورية لهذه الكميات في الأسواق العالمية، وهو ما قد يخلق عجزاً كبيراً في الإمدادات النفطية ويؤدي إلى اضطرابات حادة في الاقتصاد العالمي.

ويترقب المتابعون تطورات أسعار النفط التي من المتوقع أن تشهد ارتفاعاً ملحوظاً. وتشير بعض التقديرات إلى احتمال تجاوز سعر البرميل حاجز 100 دولار، في حين تتحدث توقعات أخرى عن إمكانية وصول الأسعار إلى 130 دولاراً، بل وحتى إلى 200 دولار للبرميل في حال تفاقمت الأزمة. غير أن هذه التوقعات تبقى رهناً بما ستشهده الأسواق، وبمدى تطور الأوضاع في الخليج العربي.

تعود هذه المخاوف بشكل رئيسي إلى احتمال توقف الإمدادات النفطية في حال إغلاق مضيق هرمز، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى التحرك لحشد الدعم الدولي لمنع حدوث ذلك. وقد بدأت واشنطن بالفعل في تعزيز وجودها العسكري في المنطقة، كما دعت عدداً من الدول إلى المشاركة في جهود حماية الملاحة البحرية في المضيق من خلال تشكيل قوات بحرية مشتركة تهدف إلى ضمان استمرار حركة السفن وناقلات النفط دون عوائق.

وفي محاولة لتهدئة الأسواق وتقليل تأثير التوترات، أعلنت وكالة الطاقة الدولية عن خطة لضخ أكثر من 400 مليون برميل من النفط من الاحتياطيات الإستراتيجية إلى الأسواق العالمية. ويهدف هذا الإجراء إلى تخفيف الضغوط على الأسعار وتوفير إمدادات إضافية في حال حدوث اضطرابات. ومع ذلك، قد لا تكون هذه الكمية كافية في حال حدوث انقطاع واسع للإمدادات، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن الطلب العالمي على النفط يبلغ حالياً نحو 103 ملايين برميل يومياً. وفي حال توقف الإمدادات عبر مضيق هرمز، فإن الجزء الأكبر من النفط المتدفق من دول الخليج، والذي يقدر بحوالي 25 مليون برميل يومياً، سيتأثر بشكل مباشر، وهو ما قد يؤدي إلى أزمة وقود حقيقية في الدول المستوردة، خصوصاً في آسيا.

كما أن سيطرة إيران على حركة المرور في مضيق هرمز تمثل تحدياً إضافياً، حيث يتم في بعض الحالات السماح للسفن وناقلات النفط بدخول الخليج بعد الحصول على موافقة إيرانية. ويثير هذا الوضع مخاوف تتعلق بأمن الملاحة البحرية، إذ قد يؤدي إلى فرض نوع من السيطرة على حركة السفن التجارية والنفطية، وهو ما قد يخلق توترات إضافية ويهدد استقرار المنطقة.

إلى جانب المخاطر الجيوسياسية، بدأت التكاليف الاقتصادية للأزمة تظهر بوضوح، ومن أبرزها الارتفاع الكبير في تكاليف التأمين البحري على السفن وناقلات النفط التي تعبر الخليج العربي. فقد ارتفعت هذه التكاليف بأكثر من 80 ٪، وقد تصل في بعض الحالات إلى أكثر من مليون دولار للرحلة الواحدة. كما ارتفعت أجور البحارة نتيجة المخاطر المرتبطة بالإبحار في منطقة توصف بأنها منطقة نزاع محتمل، حيث يتطلب إقناع الطواقم البحرية بالعمل في هذه الظروف تقديم تعويضات مالية أعلى وتأمينات إضافية على حياتهم.

وتختلف تكاليف التأمين أيضاً بحسب جنسية السفن والناقلات التي تعبر المنطقة، حيث قد تكون التكاليف أعلى بكثير بالنسبة للسفن التابعة لدول غربية أو تلك المرتبطة بإسرائيل، إذ قد تصل تكاليف التأمين في حالات الحرب إلى ثلاثة أضعاف ما تدفعه الناقلات الأخرى. كل هذه العوامل تسهم في رفع تكاليف نقل النفط والسلع، وهو ما ينعكس في النهاية على المستهلكين حول العالم.

إن ارتفاع أسعار النفط وزيادة تكاليف النقل والتأمين وأجور البحارة سيؤدي حتماً إلى ارتفاع عام في الأسعار على المستوى العالمي، مما يعني زيادة معدلات التضخم في معظم الدول. ولن يقتصر تأثير ذلك على قطاع الطاقة فحسب، بل سيمتد إلى مختلف القطاعات الاقتصادية، بما في ذلك أسعار السلع والمنتجات الغذائية، وهو ما قد يشكّل ضغطاً إضافياً على الاقتصاد العالمي وعلى القدرة الشرائية للمواطنين.

وفي ظل هذه التطورات، تبرز تساؤلات عديدة حول دور الدول المنتجة للنفط، خاصة تلك التي تمتلك طاقة إنتاجية فائضة يمكن استخدامها لتعويض أي نقص في الإمدادات. كما يطرح السؤال حول قدرة منظمة أوبك على التدخل في هذه المرحلة لزيادة الإنتاج والمساهمة في استقرار الأسعار، أو ما إذا كانت ستنتظر تطورات الأسواق العالمية قبل اتخاذ أي قرار.

كما تبرز قضية أمن الخليج العربي وحرية الملاحة فيه كأحد أهم التحديات المطروحة حالياً. فالمضيق ليس مجرد ممر إقليمي، بل يمثل طريقاً دولياً حيوياً تمر عبره تجارة النفط والسلع من مختلف أنحاء العالم. ولذلك تزداد الدعوات إلى ضرورة إيجاد آلية دولية تضمن حماية الملاحة في الخليج العربي وتمنع أي محاولات لإغلاق مضيق هرمز أو تهديد حركة السفن فيه.

يمر العالم اليوم بمرحلة استثنائية تتداخل فيها السياسة بالطاقة والاقتصاد، حيث يشكل النفط المصدر الرئيسي للطاقة بالنسبة لمعظم دول العالم. ومن هنا تبرز أهمية ضمان استمرار تدفقه دون عوائق، وحماية مضيق هرمز باعتباره أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.

والسؤال الذي يطرحه الكثيرون هو ما إذا كان سعر البرميل سيتجاوز حاجز 100 دولار، وما الذي قد يحدث بعد ذلك. فارتفاع أسعار النفط يعني غالباً ارتفاع أسعار معظم السلع والخدمات، وهو ما قد يؤدي إلى موجة جديدة من التضخم العالمي، خاصة في أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية، الأمر الذي سيؤثر بشكل مباشر على حياة الناس في مختلف أنحاء العالم.

كاتب ومحلل نفطي مستقل

naftikuwaiti@yahoo.com