بالتزامن مع نشرها في جريدة «الرياض» السعودية، تنشر «الراي» دراسة أعدها الزميل الدكتور غانم السليماني، بعنوان «التحولات الاستراتيجية للمملكة العربية السعودية من الدولة الريعية إلى الدولة المبادِرة والفاعلة في ظل رؤية 2030»، بمناسبة الذكرى التاسعة لبيعة ولي العهد سمو الأمير محمد بن سلمان، هذه السنوات من التحولات تمثل لحظة «تغيير جيني» في بنية الدولة، تغيير في تفكير المؤسسات، وفي نمط اتخاذ القرار، وفي موقع المملكة داخل الخارطة الدولية.

وإذا كانت دول كثيرة احتاجت إلى نصف قرن حتى تؤسس اقتصادات حديثة أو تبني مجتمعات جديدة، فقد أنجزت المملكة هذا العمل في عشر سنوات فقط. ولم تكن السياسة الخارجية، في هذا السياق، انعكاساً لما يجري في الداخل، لكنها أصبحت شريكاً كاملاً فيه. فالمملكة التي خفضت منسوب الصدام، ورفعت منسوب الوساطة، ولم تفعل ذلك بدافع الانكفاء، لكنه بدافع الثقة المتزايدة بقدرتها على لعب دور الموازن الإقليمي.

أما السياحة، بما تحمله من رمزية الانفتاح على العالم، فلم تُطرح كترف، إنما كجزء من إعادة تعريف المكان. فالمكان الذي كان يرى بوصفه عبوراً دينياً فقط، صار يقدم كذاكرة، وتاريخ، وطبيعة، ومستقبل. وهنا، تتلاقى الهوية مع الاقتصاد، وتتحول الجغرافيا إلى سردية جديدة.

التحوّل والإعلام

نجح الخطاب الإعلامي السعودي في قيادة مرحلة تحول واضحة، بدءاً من إعادة الثقة بالإعلامي السعودي، بوصفه قادراً على التعبير عن تطلعات وطنه، ونقل الصورة كما هي، بصدق ووعي بالسياق المحلي. وهذا التحول لم يكن شكلياً، بل استند إلى قناعة بأن الإعلام السعودي الأصيل أقدر على فهم التفاصيل الثقافية والاجتماعية، وأكثر انسجاماً مع المزاج العام للمجتمع وتفاصيله.

ومن المعروف أن «الخطاب الإعلامي أحد أهم أدوات تشكيل الوعي العام، ليس فقط من خلال ما يقدمه من معلومات، بل أيضاً عبر طريقة العرض، وحجم الإسهاب، ومن يقدم الرسالة».

وفي هذا السياق، يبرز التحول في الخطاب الإعلامي السعودي كنموذج لافت في إدارة الرسالة الإعلامية وتوجيهها بفاعلية. ومن الأدلة على هذا النجاح، الاستغناء التدريجي عن الاستعانة بإعلاميين من الخارج، يحملون أفكاراً أو أساليب قد لا تنسجم مع الطريقة السعودية في الطرح والتواصل. فالاعتماد على خطاب مستورد غالباً ما يؤدي إلى ازدواجية في الرسائل الإعلامية، إذ تُقدَّم القضايا المحلية بلغة أو إطار لا يعكس واقعها الحقيقي، ما يربك المتلقي ويضعف مصداقية الخطاب.

كما أن هذا التحول ساهم في الحد من الإسهاب غير المنتج في نقل الأخبار الرسمية. فبدل الإغراق في تفاصيل مطوّلة تُرهق المتابع وتشتت انتباهه، اتجه الخطاب الإعلامي السعودي إلى الوضوح والتركيز، مع الحفاظ على العمق عند الحاجة. وهذا بدوره عزّز قدرة المتابع على الفهم والتحليل، وربطه بالسياق الإقليمي والدولي دون عزله عنه.

إن تمكين الإعلام السعودي الذي يقارع الحجة بالحجة، ويواجه النقد بطرح منطقي، ويهاجم عند اللزوم دفاعاً عن الحقيقة والمصلحة الوطنية، دون انزلاق إلى التهويل أو الإسهاب المضلِّل، يرفع مستوى المسؤولية المهنية؛ فالإعلامي الذي ينتمي إلى البيئة نفسها يكون أكثر وعياً بتأثير كلمته، وأكثر حرصاً على نقل الواقع دون تهويل أو تمييع، وهذا يشكّل ركيزة أساسية في بناء خطاب إعلامي متوازن.

التحول الاقتصادي

منذ اللحظة التي أمسك فيها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بخيوط مشروع التحوّل السعودي عام 2015، كان واضحاً أن الاقتصاد لن يكون واحداً من مسارات التحديث، بل هو المسار الذي ستُقاس عليه جدية التغيير وعمقه. فالسياسة تمنح الدول موقعاً على الخريطة، لكن الاقتصاد وحده هو الذي يحدد وزنها، ويصنع استقلالها، ويضمن لها مقعداً ثابتاً على طاولة الكبار. فكان القرار الحاسم أن المملكة لن تبقى دولة ريعية، وأن زمن الارتهان لتقلبات أسعار النفط يجب أن ينتهي.

ومنذ ذلك التاريخ، بدأت تتشكل معالم ما يمكن وصفه بـ«هندسة القوة السعودية الجديدة»، وهي عملية إعادة بناء شاملة، لا تطول القطاعات فحسب، بل تعيد صياغة علاقة الدولة بالسوق، ودور المؤسسات، ومفهوم التنمية. كما أن رؤية 2030 لم تُعدّ وثيقة إصلاح، بقدر ما صيغت كخطة نهضة كاملة، تتضمن أهدافاً محددة، وحوكمة دقيقة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، وبرامج تنفيذ تتابعها مجالس سياسات اقتصادية تعمل بمنهجية صارمة.

وحين أُعلنت رؤية 2030، قيل إنها نقطة كسر في تاريخ الاقتصاد السعودي. اليوم، بعد قرابة عقد، يمكن القول إنها تحولت إلى نقطة تأسيس. فالرؤية نقلت السعودية من اقتصاد مرتهن لعائدات سلعة واحدة إلى اقتصاد واسع القاعدة، متعدد المصادر، ومهيأ لزمن جديد تُدار فيه الدول عبر الاستثمار والابتكار والتقنية.

إن التغيير لم يكن مزاجياً، بل منهجياً: ميزانيات مستقرة لا تتأثر بأسعار النفط، برامج كبرى تعمل وفق جداول زمنية ومحاور واضحة، وإعادة تعريف لدور الدولة كمنظم ومحفّز، لا كممول وحيد. وارتفعت مساهمة القطاعات غير النفطية، وتغيّر المزاج الاستثماري، وصارت المشاريع الضخمة جزءاً من الاستراتيجية الوطنية، لا حدثاً استثنائياً. وتغيّر كل شيء: من البنية التنظيمية إلى طريقة عمل الأجهزة الحكومية، ومن النظرة إلى القطاع الخاص إلى صورة المملكة في الاقتصاد العالمي.

ولا يمكن فهم التحول السعودي دون فهم الدور المحوري لصندوق الاستثمارات العامة. هذا الصندوق الذي تأسس في الستينات بمهام محدودة، أصبح اليوم من بين أكبر الصناديق السيادية في العالم، بأصول تجاوزت 620 مليار دولار، أربعة أضعاف حجمه قبل عقد واحد. وهو ليس مجرد صندوق؛ بل ذراع اقتصادية لإعادة بناء المملكة، ومختبر لابتكار قطاعات جديدة، ومسرّع لنمو القطاع الخاص، ومهندس لمشاريع كبرى تغير الجغرافيا الاقتصادية.

وأحد أعمدة التحول كان ضبط الإنفاق، تعزيز الإيرادات غير النفطية، رفع كفاءة الأجهزة الحكومية، وإدارة الدين العام باحترافية. والنتيجة: ميزانيات مستقرة، ومرونة أكبر في التعامل مع الأزمات، وجاذبية أعلى للمستثمرين.

تنويع مصادر الدخل... الخروج من ظل النفط

التحول السعودي أحدث قطيعة مع مرحلة كان النفط فيها المصدر الوحيد للاستدامة المالية. فقد أصبح الرهان على قطاعات جديدة: السياحة، اللوجستيات، التعدين، الطاقة المتجددة، الصناعات العسكرية، الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي. هذا التنويع لم يكن تجميلياً، بل عملياً مدعوماً باستثمارات ضخمة وبنية تشريعية متماسكة.

ومع هذا التحول، أصبحت المملكة لاعباً عالمياً في النفط، ولكن دون أن تكون أسيرة له. فاقتصادها بات أكثر تحصيناً أمام الأزمات العالمية، وأكثر تنوعاً وقدرة على توليد فرص نمو متواصلة، لا ترتبط ببرميل يصعد ويهبط.

كما أن المملكة أعادت بناء شوارع ومدن وموانئ ومطارات. لكن الأهم أنها أعادت بناء النظام الذي يدير هذه البنى: تشريعات موحدة، وإجراءات أسرع، وترخيص مبسط، وحوكمة تخلق بيئة تنافسية للمستثمرين. هذا التحول جعل السعودية واحدة من الوجهات الأسرع نمواً في جذب الاستثمارات الأجنبية، إذ قفز عدد الشركات العالمية التي اتخذت الرياض مقراً إقليمياً من 44 شركة إلى 570 خلال عامين فقط.

سوق العمل... من التوظيف إلى الإنتاج

إن أحد أكبر التحولات جرى في سوق العمل: سعودة قطاعات رئيسية، تمكين النساء، إدماج الشباب في الاقتصاد الجديد، وتطوير منظومة التدريب. الكفاءة أصبحت معياراً، والوظيفة عنصر إنتاج لا ملاذاً آمناً. هذا التغيير ترافق مع صعود جيل جديد يعيش في بيئة رقمية متقدمة، يقوده التطبيق الوطني «توكلنا» الذي تحول إلى منصة بأكثر من ألف خدمة تقدمها 250 جهة.

وهذه البيئة خلقت جيلاً متمكناً، قادراً على الابتكار والمنافسة، ومؤهلاً ليكون جزءاً من مستقبل الاقتصاد السعودي.

الاقتصاد يصنع النفوذ

ما يحدث اليوم في السعودية ليس مجرد نمو اقتصادي؛ بل إعادة بناء لمفهوم القوة. فاقتصاد قوي يصنع حضوراً سياسياً قوياً، وتحالفات أكثر اتزاناً، وقدرة على صياغة مصالح الدولة بوضوح واستقلالية. المملكة اليوم لاعب اقتصادي عالمي: قوة مالية عبر صندوق سيادي هائل، لاعب رئيسي في «أوبك+»، مركز لوجستي يربط ثلاث قارات، وبيئة استثمارية تنافسية تستقطب الشركات التقنية العالمية.

ومع تحويل أرامكو إلى عملاق صناعي عالمي، ودفع الشركات الوطنية للتمدد عبر الحدود، وتعزيز الصناعات العسكرية المحلية، تكتمل معادلة القوة التي تضع المملكة في موقع لا يعود فيه المستقبل رهن الأسعار أو المزاج العالمي.

إعادة بناء جذرية للهوية السياسية

خلال السنوات الماضية، ظهرت نتائج التحول السعودي بوضوح على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ولم تعد التغييرات مجرد استجابات ظرفية، بل مسار متكامل يعكس إعادة صياغة عميقة لدور الدولة في محيطها الإقليمي والدولي.

ويرى عضو هيئة التدريس في العلوم السياسية بجامعة الملك عبدالعزيز، إياد الرفاعي، أن ما تشهده السعودية يتجاوز تحسين الصورة أو إدارة الأزمات، ليصل إلى إعادة بناء جذرية للهوية السياسية. ويقول إن هذا المسار تقوده قيادة حازمة أعادت رسم موقع المملكة داخل معادلات القوة العالمية.

ويشير الرفاعي، إلى أن صعود ولي العهد إلى قلب صنع القرار عام 2017 شكل نقطة تحول مفصلية، نقلت البلاد من نموذج محافظ يعتمد على النفط والتحالفات التقليدية، إلى لاعب أكثر استقلالية وجرأة. لم يكن التحول عفوياً، بل نتاج إستراتيجية واضحة.

الفضاء العربي: من إدارة الأزمات إلى جمع الصف

على المستوى العربي، سعت المملكة إلى الانتقال من سياسة ردّ الفعل إلى سياسة بناء المحيط المستقر. من دعم مصر اقتصادياً وسياسياً، إلى تحالف إستراتيجي متين مع الإمارات، ومساندة السودان في مراحله الحرجة، فتح قنوات تعاون مع العراق لإعادته إلى عمقه العربي، وتعزيز الشراكات مع الأردن والمغرب وتونس، كانت الفكرة المركزية واضحة: استقرار الدول مقدّم على الصراعات الإيديولوجية، والتنمية شرط للسيادة، والدولة الوطنية هي الإطار الوحيد القادر على حماية المجتمعات.

وفي هذا السياق، برزت التحالفات المؤسسية بوصفها أدوات استراتيجية. فالتحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن مثّل مقاربة أمنية لحماية الإقليم من التفكك، بينما جاء التحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب ليؤكد دور المملكة القيادي في مواجهة التطرف، ليس كظاهرة أمنية فقط، بل كخطر فكري وسياسي عابر للحدود.

اعتراف إقليمي ودولي بالدور السعودي

لم تمر التحوّلات الداخلية في السعودية من دون صدى خارجي. فقد حظي الدور السعودي بتقدير واسع من قادة الخليج والمؤسسات الدولية، التي رأت في المملكة «العمود الفقري» لمجلس التعاون، وركيزة أساسية لاستقرار المنطقة.

تقارير دولية عدّة أشادت بالسياسات السعودية الداعمة للاستقرار السياسي والاقتصادي، وبمشاركتها الفاعلة في المبادرات الإنسانية والتنموية. هذا الاعتراف لم يكن مجاملة دبلوماسية، بل نتيجة مسار متكامل ربط بين الإصلاح الداخلي، والقيادة الإقليمية، والانفتاح على الشراكات الدولية.

المرأة السعودية: من الهامش إلى الشراكة

يُعد تمكين المرأة أحد أبرز مؤشرات التحوّل الاجتماعي في المملكة. فقد انتقلت المرأة السعودية خلال سنوات قليلة من موقع محدود المشاركة إلى شريك فاعل في الاقتصاد والتعليم والإدارة والدبلوماسية المجتمعية.

وتوسّعت فرص التعليم والتدريب، ودخلت المرأة مجالات كانت مغلقة أمامها، وتقلّدت مناصب قيادية في القطاعين العام والخاص. ولم يقتصر هذا الحضور على الداخل، بل امتد إلى المشاركة في المؤتمرات الدولية، والمبادرات الثقافية، والمنتديات العالمية، ما أسهم في تقديم صورة أكثر توازناً وحداثة عن المجتمع السعودي.