في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، حيث تتجلى معاني الحكمة والتعقل والبحث عن السلام، جاءت كلمة سمو أمير البلاد مشعل الأحمد الجابر الصباح، حفظه الله، لتضع النقاط على الحروف وتُنهي سيل الإشاعات والتأويلات التي حاولت إقحام دولة الكويت في صراعات إقليمية لا تمت لنهجها السياسي بصلة.

لقد أكّد سموه بوضوح أن دولة الكويت لن تسمح باستخدام أراضيها لأي اعتداء على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهو موقف يعكس الثوابت الدبلوماسية للكويت القائمة على احترام سيادة الدول وعدم الانخراط في الحروب. هذا الموقف الحكيم تلاقى مع ما أكده سمو ولي العهد في المملكة العربية السعودية، الأمير محمد بن سلمان آل سعود، الذي شدّد بدوره على رفض استخدام أراضي بلاده لشن أي عمليات عسكرية ضد إيران، في رسالة خليجية موحدة تعكس حرص قيادات المنطقة على تجنيب شعوبها ويلات الحروب.

إنّ دولة الكويت، التي عانت مرارة الاحتلال خلال الغزو العراقي للكويت، تدرك أكثر من غيرها معنى فقدان الأمن والاستقرار. ففي ذلك العام المشؤوم تعرّضت البلاد لاحتلال استمر سبعة أشهر، وتكبدت خسائر قدرت بأكثر من 100 مليار دولار، فضلاً عن الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية والنزوح القسري لعشرات الآلاف من المواطنين. ومن هنا، كان من الطبيعي أن تسعى الكويت إلى بناء منظومة دفاعية تحمي سيادتها، ومن بينها الاتفاقيات الدفاعية مع الولايات المتحدة، وهي اتفاقيات حماية وردع لا تعني بأي حال السماح باستخدام الأراضي الكويتية للاعتداء على الآخرين.

إنّ الكويت ودول مجلس التعاون الخليجي، بما فيها مجلس التعاون لدول الخليج العربية، لم يكن لها أي دور في الأحداث العسكرية التي شهدتها العاصمة الإيرانية طهران. بل إن هناك أطرافاً تسعى دائماً إلى تأجيج الصراعات ومحاولة جرّ المنطقة إلى حروب مفتوحة، رغم أن دول الخليج كانت ولا تزال تؤكد أن الاستقرار الإقليمي مصلحة مشتركة للجميع.

وإذا نظرنا إلى الواقع الاقتصادي والإنساني للحروب في المنطقة، نجد أن الخسائر دائماً ما تتجاوز حدود السياسة. فوفق تقديرات دولية، فإن النزاعات في الشرق الأوسط خلال العقدين الماضيين كلفت اقتصادات المنطقة أكثر من تريليوني دولار، وأدت إلى نزوح ما يزيد على 30 مليون إنسان. هذه الأرقام الصادمة تفسر لماذا ترفض الشعوب الواعية الانجرار خلف خطاب الحرب، وتتمسك بخيار الاستقرار والتنمية.

كما أن العلاقة بين شعوب الخليج والشعب الإيراني علاقة تاريخية عميقة، تمتد عبر التجارة والهجرة والتواصل الثقافي منذ مئات السنين. ويعيش في دول الخليج مئات الآلاف من أبناء الجالية الإيرانية الذين أسهموا في النشاط الاقتصادي والتجاري، ما يؤكد أن الخلافات السياسية لا تعكس بلا أدنى شك إرادة الشعوب.

إن الشعب الإيراني نفسه عانى خلال العقود الماضية من أزمات اقتصادية خانقة أدت إلى ارتفاع معدلات البطالة وتراجع مستوى المعيشة، وتشير تقديرات دولية إلى أن ملايين الإيرانيين هاجروا بحثاً عن فرص أفضل في الخارج. ولذلك فإن تحميل هذا الشعب تبعات قرارات سياسية لا يعبر عن روح العدالة ولا عن القيم الإنسانية التي تجمع شعوب المنطقة.

وفي هذا السياق، يبرز الدور الكويتي التاريخي في ترسيخ ثقافة الوساطة والحوار. فقد عُرفت الكويت دائماً بأنها صوت العقل في الأزمات، ومركز الدبلوماسية الهادئة التي تفضل الحلول السياسية على لغة السلاح.

إن كلمة سمو الأمير في هذه الأيام المباركة لم تكن مجرد موقف سياسي عابر، بل كانت تأكيداً لنهج دولة راسخ يقوم على الحكمة واحترام الجيرة والتمسك بالسلام. وفي زمن تتكاثر فيه الإشاعات وتتعالى فيه أصوات التصعيد، يبقى صوت الحكمة هو الضامن الحقيقي لأمن الأوطان واستقرار الشعوب.

فالشعوب التي خبرت ويلات الحروب تدرك أن التنمية والازدهار لا يولدان من فوهات المدافع، بل من الاستقرار والتعاون واحترام سيادة الدول. وهذا هو الطريق الذي اختارته الكويت، قيادةً وشعباً، طريق السلام .

Malmoasharji@gmail.com