لا تشكّل المرأة نصف المجتمع فحسب، بل هي كل المجتمع. وفي خضم الأحداث العالمية والإقليمية المؤسفة، ينسى العالم الاحتفال بيومها العالمي كما يجب. ولعلّ أجلّ وأصدق أشكال التكريم تكون بتسليط الضوء على معاناتها، عوضاً عن محاولات تصغيرها وتهميشها أو وصفها بـ«الدراما»، أو إنكارها وإغماض العينين عنها قائلين: «المرأة ماخذة حقوقها وأكثر»، دون إمعان النظر إلى حاجاتها، ومآسيها، وحرمانها، وكل الصعوبات التي تُلقى على كاهلها.

ومعظم قائلِي هذه العبارات، أو حاملي هذه الأفكار، هم سكان البرج العاجي من بعض الرجال، وبعض النساء «البرجوازيات» اللواتي ربما يتغنّين بشعارات النسوية والحرية للمرأة دون التمحيص في حقيقة معاناتهن.

فلا تزال المرأة تُقتل وتُسفك دماؤها بمزاعم العادات والتقاليد والعار، رغم التقدم العلمي والثقافي، إلخ... تلك المزاعم التي لو أتاها الرجل بدوره، لقال له المجتمع «أنت شايل عيبك».

واعلم أن هذا الخطاب يسبب الحساسية للبعض، ظناً منهم بأنه مدعاة للمساواة بالضرورة، أو نسوية صارخة، بينما نقول في هذا المقال بالفم المليان: إن الخطأ خطأ، والصواب صواب، لا يصطفي رجلٌ ولا امرأة.

ويعيش بعض النساء موتاً على قيد الحياة، يتجسد مثلاً في حرمانهن من حقوقهن التعليمية؛ فتحرم بعض النساء من الذهاب إلى الجامعة على الرغم من تفوقهن، بحجة الاختلاط وغيره من الحجج الواهية. أو يُرغمن على تخصصات معينة أقل احتكاكاً بالرجال، حيث تتوافر فرص الزواج بنظر المجتمع بشكل أكبر.

وتُسلب من بعضهن أحلام الابتعاث والدراسة في الخارج، بينما قد تُفرش فرص التعليم لشقيقها الأصغر سناً أو الأقل تفوقاً، وترحّب به الجامعات بأسمى المباركات، ناهيك عن التهاني العائلية الحارة.

بل إن الأمر أجلّ وأكبر؛ فهناك نساء يُحرمن من التعليم في سن مبكرة، فلا يحظين حتى بفرصة الدخول إلى المدارس. فلدى بعض الأهالي يكون الزواج من «عريس الغفلة» أو «ولد عمها» مثلاً أستر وأفضل، وإنجاب «العزوة المزعومة» هو إنجاز العمر.

نعم عزيزي القارئ، لا تزال فكرة زواج القاصرات موجودة وحيّة، رغم كل التطور الذي وصلنا إليه اليوم. بل إن فكرة الزواج نفسها بالصورة الكبيرة تلاحق المرأة العربية كشكل من أشكال الضغط، بل وتعدها بحرية من بيت العائلة، ودزينة من الأطفال، وحب أفلاطوني إلخ... وربما حياة كاملة تُبنى على توقعات المجتمع لا على اختيارها هي.

ونحن هنا لسنا ضد مؤسسة الزواج إطلاقاً، ولكن ما إن تتردد المرأة أو تمارس حقها في الرفض أيّاً كان السبب حتى يمارس عليها المجتمع ضغوطاته، ويلقبها بـ«العانس».

ومن المشاكل المجتمعية غير المنتهية، وصولاً بالإنسانية إلى مشاهد موجعة:

الأمهات المكلومات في أراضي فلسطين الحبيبة، الشهيدات المقاتلات، وأولئك النساء اللواتي تم الاعتداء عليهن بوحشية حيوانية، والنساء تحت الركام في لبنان العزيز، الهاربات من القصف، ونساء السودان العريق، وغيرها من الدول التي لا يسعنا في هذا المقال الإتيان على ذكرهن جميعاً.

فلا يكفيهن لا الحبر ولا الدموع، وقطعاً لا يحتملهن يوم عالمي واحد.

إلى النساء في البيوت المغلقة «معتقلات المنازل»، المقاتلات على أبجديات الحياة، الصامتات رغم الأسى، اللواتي يتجهزن للحياة بكل ما آتاهن الله من صبر وقوة لا يعلمها إلا الله...

إليكن جميعاً: كُنّ بخير اليوم، وكل يوم.