منذ اللحظة الأولى للحرب المشتعلة في المنطقة، اتخذ الخليج موقفاً واضحاً لا لبس فيه: لم يشارك في الحرب، ولم يسمح بأن تتحول أراضيه إلى منصة لضرب إيران. كان قراراً محسوباً بدقة، لأن دول الخليج تدرك أن إشعال المنطقة بالكامل لن يترك رابحاً واحداً، وأن الحكمة في أوقات النار قد تكون أبلغ من ضجيج المدافع.
اختار الخليج طريق الدبلوماسية الهادئة، ليس ضعفاً ولا تردداً، بل إيماناً بأن الاستقرار هو الثروة الحقيقية لهذه المنطقة. ولهذا كان ضبط النفس هو العنوان الأبرز، وكانت الرسالة للعالم أن الخليج ليس طرفاً في هذه الحرب، بل قوة توازن تسعى إلى منع اتساع دائرة اللهب.
لقد سقط شهداء، واستُهدف أمن المنطقة بصواريخ ومسيّرات، في وقتٍ كان الخليج فيه يتعمد الابتعاد عن الانخراط في الحرب. وهنا تبدأ المعادلة في التغير. فالدول التي اختارت عدم التصعيد لا يمكن أن تقبل أن تتحول أراضيها أو سماؤها إلى مسرح لتجارب الصواريخ أو ساحة لرسائل القوة.
والخليج اليوم ليس كما كان قبل سنوات. هذه الدول لم تبنِ فقط اقتصادات قوية ومكانة دولية مؤثرة، بل بنت أيضاً منظومات دفاع متقدمة وتحالفات أمنية راسخة تجعل أمنها خطاً أحمر لا يقبل المساومة.
حتى الآن ما زالت حكمة القادة الخليجيين هي التي تمسك بزمام المشهد وتمنع الانفجار الكبير. لكن الرسالة التي بدأت تتشكل وأن سياسة ضبط النفس لن تبقى مفتوحة إلى ما لا نهاية.
الخليج لم يدخل هذه الحرب... لكنه أيضاً لن يقبل أن تُفرض عليه.
فالمنطقة التي أعطت الدبلوماسية كل الفرص، لن تتردد لحظة في الدفاع عن أمنها وكرامتها إذا تجاوز الخطر الخطوط الحمراء.
ومن يقترب من الخليج... لن يقرأ بياناً دبلوماسياً فقط، بل سيواجه العاصفة.