لم يكن الأسبوع المنصرم أسبوعاً عادياً في الكويت ولا في بقية دول مجلس التعاون الخليجي؛ فقد شهدت المنطقة تصعيداً خطيراً تمثل في إطلاق صواريخ ومسيّرات إيرانية باتجاه دول الخليج دون استثناء، هذا الاعتداء الآثم كان أقوى بكثير من رد إيران على إسرائيل التي تهاجم إيران، هذا الأمر كشف مرة أخرى حقيقة الحسابات السياسية التي تحكم العلاقة بيننا وبين إيران، وأظهرت جليّاً أن إيران تحمل عداوة لدول مجلس التعاون أكبر من عداوتها لإسرائيل وأميركا، حقيقة كشفتها أعداد المُسيرات والصواريخ التي رُميت على دولنا والتي كانت أضعاف ما رُميت على إسرائيل واستهدفت البنية التحتية والمناطق المدنية في دولنا الخليجية.
كشفت تلك الأعداد بوضوح أن خطر إيران سيكون أكبر بكثير إذا امتلك قادتها الحاليين السلاح النووي، عندها سيكون هذا هو التهديد الحقيقي لمستقبلنا.
لهذا لا بد من التأكيد وبكل قوة على التخلص من طموح إيران الحالية للحصول على السلاح النووي.
قضية السلاح النووي الإيراني هو جوهر النزاع الحقيقي؛ فالولايات المتحدة لا تُخفي تمسكها بمنع إيران من امتلاك هذا السلاح، مستندة في ذلك إلى حجتين أساسيتين.
الحجة الأولى أن الأنظمة الشمولية العقائدية، التي تحكمها ذاكرة الصراعات التاريخية وتغذيها الأيديولوجيا، قد لا تتردد في استخدام أسلحة الدمار الشامل ضد من تعتبرهم أعداء لها، وقد كشفت الأحداث الأخيرة، بما فيها مهاجمة إيران لدول مجلس التعاون دون مبرر مقنع، عن قدر من الواقعية في هذا التخوف؛ فلو امتلك قادة إيران السلاح النووي، فليس ثمة ما يضمن أنهم سيترددون في استخدامه، كما لم يترددوا من قبل في دعم نظامٍ سوري كان يقصف شعبه بالأسلحة الكيماوية والبراميل المتفجرة
أما الحجة الثانية فتتعلق بتوازن القوى في الشرق الأوسط؛ فامتلاك إيران للسلاح النووي لن يمر دون ردّ، إذ ستندفع دول عربية كبرى، إلى السعي سريعاً لامتلاك السلاح ذاته، وعندها سيجد العالم نفسه أمام سباق نووي إقليمي يصعب احتواؤه، ولهذا ستبذل الولايات المتحدة، وخلفها إسرائيل — القوة النووية الوحيدة في المنطقة — كل ما في وسعها لمنع هذا السيناريو، لأن امتلاك دول عربية لهذا السلاح يُنظر إليه في إسرائيل بوصفه تهديداً وجودياً مباشراً.
ومن هنا يصبح واضحاً أن مفتاح الصراع الحقيقي ليس الخلافات السياسية الظاهرة، بل مسألة السلاح النووي نفسها؛ أما بقية المبررات فليست سوى ظلال تدور حول هذا الجوهر الإستراتيجي، ومع ذلك، فإن دول الخليج لم تكن طرفاً أصيلاً في هذا الصراع؛ بل إن بعضها سعى جاهداً لحل قضية السلاح النووي بالاتفاق السلمي، وحاولت مد يد التعاون مرات عدة، لكن السياسة الإيرانية، التي أثقلت كاهل المنطقة بتوتراتها، لم تترك لدول الخليج فرصة البقاء خارج دائرة التصعيد؛ فقد اختارت طهران طريقاً يقوم على استدعاء صراعات التاريخ، مستفيدة من هشاشة الوعي لدى بعض أتباعها، لتفرض نفوذاً يتجاوز- في كثير من الأحيان- حدود الانتماءات الوطنية والقومية.
والنتيجة أن إيران لم تكسب من هذا النهج سوى خسارة محيطها الطبيعي؛ فالهجمات التي طالت دول الخليج خلقت شرخاً عميقاً يصعب ترميمه، وأضعفت الثقة التي كانت — رغم كل الخلافات — تشكل جزءاً من توازن الجغرافيا السياسية في المنطقة، والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: ماذا جنت إيران من كل ذلك؟
ربما لعبت النرجسية السياسية دورها في هذا المسار؛ فسنوات طويلة من الإشادة بمهارة طهران التفاوضية ودهائها الدبلوماسي غذّت شعوراً مبالغاً فيه بالقدرة على إدارة الأزمات وتجاوز العواصف، غير أن تلك الإشادات قد تكون، في جانب منها، فخاً أبقى القيادة الإيرانية أسيرة سرديات الماضي وصراعاته.
وفي الأثناء، كانت موارد إيران النفطية وثرواتها الطبيعية تُستنزف في تمويل نفوذ خارجي مُكلّف، وفي دعم حروب وصراعات لا تعود على المواطن الإيراني بشيء يُذكر، وهكذا تراجعت التنمية، وتآكلت فرص الرفاه، بينما ظل الشعب الإيراني يدفع ثمن سياسات لا تعكس أولوياته الحقيقية.
واليوم، تبدو إيران مهددة بخسارة ما هو أثمن من المكاسب السياسية العابرة: الجغرافيا نفسها؛ فإذا فقدت طهران ثقة محيطها الإقليمي، فلن يبقى لها سوى الارتماء في أحضان قوى كبرى كالصين وروسيا، وهي قوى لا تنظر إلى المنطقة إلا من زاوية مصالحها الإستراتيجية.
ويبقى الخاسر الأكبر في كل ذلك هو الشعب الإيراني؛ ذلك الشعب المعروف بجدّه في العمل وقدرته على البناء، وهي صفات كان يمكن أن تقود إيران إلى مستقبل أكثر ازدهاراً لو وُضعت في خدمة مشروع تنموي حقيقي، لكن البوصلة السياسية ضاعت بين أوهام الماضي وصراعاته، فضاعت معها فرص كثيرة.
إنها، في النهاية، خسارة كبيرة... خسارة لم يكن يستحقها الشعب الإيراني.