يهلّ شهر رمضان كل عام كنسمةٍ رقيقة تعبر فوق صخب العالم. شهرٌ تُفتح فيه أبواب الرحمة، وتلين فيه القلوب التي أثقلتها صراعات البشر. في لياليه يكتشف الإنسان أن الحياة يمكن أن تكون أبسط وأهدأ، وأن الضجيج الذي يملأ السياسة لا يملك دائماً القدرة على إفساد صفاء الروح. غير أن المفارقة في زمننا المعاصر أن هذا الشهر المبارك كثيراً ما يأتي متزامناً مع لحظات توتر دولي، حيث تتحرك القوى الكبرى فوق رقعة جيوسياسية معقدة، بينما يبحث الناس في المساجد والبيوت عن الطمأنينة.

وفي قلب هذه التوترات تقف المواجهة الأميركية مع إيران، بوصفها واحدة من أكثر القضايا حساسية في المشهد الدولي المعاصر. فهذه المواجهة لم تعد مجرد صراع عسكري تقليدي، بل تحولت إلى ما يسميه خبراء السياسة حرباً مركبة؛ أدواتها متعددة، تبدأ بالضغط الاقتصادي والعقوبات المالية، وتمر بالحرب الإعلامية والنفسية، ولا تنتهي عند حدود الضربات العسكرية المحدودة. إنها حرب تُدار بالعقل البارد أكثر مما تُخاض بالمدافع.

الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي يقدم نفسه دائماً – أو كما يحب أن يلقّب نفسه في خطاباته «Mr. Triff» باعتباره رجل الحسم وصانع الصفقات الكبرى، تنظر إلى هذا الصراع باعتباره جزءاً من إعادة ترتيب التوازنات في الشرق الأوسط. فواشنطن ترى أن المشروع الإيراني تجاوز حدود الدولة الطبيعية، وتحول إلى شبكة نفوذ تمتد عبر المنطقة مستخدمة أدوات سياسية وعسكرية متعددة.

ومن هنا، تبدو أهداف هذه المواجهة واضحة في القراءة الإستراتيجية الأميركية: تقليص قدرة إيران على التمدد الإقليمي، وإعادة فرض معادلة ردع تمنعها من استخدام نفوذها كورقة ضغط مستمرة على جيرانها. فالسلوك الإيراني خلال العقود الماضية لم يُظهر كثيراً من الاحترام لخصوصية دول الخليج، وهي دول عُرفت تاريخياً بأنها دول آمنة، مستقرة، تميل إلى التنمية والتجارة والسلام أكثر من ميلها إلى الصراع.

لقد بنت دول الخليج نموذجها على الاستقرار الاقتصادي والانفتاح الدولي وتعزيز الشراكات العالمية، بينما اختارت طهران في كثير من الأحيان الاستثمار في الأزمات والصراعات. وهنا يظهر التناقض الواضح بين فلسفتين سياسيتين: فلسفة البناء التي تنتهجها دول الخليج، وفلسفة النفوذ والتوسع التي يتبناها المشروع الإيراني.

وفي هذا الإطار تشكّل العلاقة بين الخليج والولايات المتحدة امتداداً طبيعياً لمصالح مشتركة تراكمت عبر عقود طويلة؛ أمن الطاقة، واستقرار الأسواق العالمية، وحماية طرق التجارة. ولذلك فإن أي مواجهة أميركية مع إيران لا يمكن فهمها بعيداً عن هذه المعادلة الكبرى التي ترى في استقرار الخليج ركناً أساسياً في استقرار النظام الدولي.

لكن المفارقة القاسية أن هذه الحسابات الكبرى تتزامن اليوم مع شهر رمضان نفسه. ففي الوقت الذي يجتمع فيه الناس على موائد الإفطار، تتردد في سماء المنطقة أصداء الطائرات والصواريخ. الولايات المتحدة تضرب أهدافاً إيرانية في إطار صراعها المفتوح مع طهران، بينما ترد إيران – أو عبر أدواتها العسكرية – بإطلاق الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية باتجاه مدن الخليج، من الكويت إلى الرياض، ومن ثم الى المنامة وإلى أبوظبي والدوحة ومسقط، هكذا يجد الشهر الذي يفترض أن يكون موسماً للسكينة نفسه محاطاً بقلقٍ إقليمي، حيث تختلط لحظات الدعاء في المساجد بأخبار الدفاعات الجوية وصفارات الإنذار.

أما على مستوى الإقليم، فإن المشهد لا يخلو من ظلال مؤلمة. فالعراق، الذي كان يفترض أن يكون جسراً حضارياً بين الشعوب، وجد نفسه في أحيان كثيرة أسيراً لتأثيرات قوى مسلحة تدفع باتجاه التوتر مع الجوار. ومن بينها قوى تبنّت بعض فصائلها خطاباً عدائياً تجاه الكويت، خطاباً لا ينسجم مع علاقات الجوار ولا مع ذاكرة التاريخ.

والكويت، التي عرفت معنى العدوان جيداً ودافعت عن سيادتها بثبات، لا تنظر بعين الرضا إلى أي تهديد أو تجاوز، خصوصاً عندما يصدر من جهات تتحرك سياسياً ضمن مشروع إقليمي مرتبط بإيران.

لكن العراق، رغم كل هذا الضجيج السياسي، ليس مجرد ساحة للصراع. فالعراق في جوهره أرض حضارة عميقة الجذور، بلدٌ كتب أولى صفحات التاريخ الإنساني. من أرضه خرجت شريعة حمورابي، إحدى أقدم القوانين في تاريخ البشرية، التي حاولت أن ترسي مفهوماً للعدل والنظام بين الناس. وعلى ضفاف دجلة والفرات قامت حضارات عظيمة كالحضارة الآشورية التي تركت آثاراً ثقافية وإنسانية مازالت شاهدة على عظمة الإنسان في تلك الأرض.

ومن رحم تلك الحضارة خرج أيضاً فنٌ لا يشبه إلا العراق نفسه. فكما أن العراق أنجب العلماء والشعراء، أنجب أيضاً أصواتاً فنية خالدة. من صوت ناظم الغزالي، الذي شكّل علامة في تاريخ الطرب العربي، إلى تجربة إلهام المدفعي، الذي مزج الموسيقى العراقية بروح معاصرة، وصولاً إلى صوت كاظم الساهر، الذي حمل الشعر العربي إلى المسارح العالمية.

عندما يغني كاظم الساهر «أنا وليلى» أو «زيديني عشقاً» أو «مدرسة الحب»، فإن صوته لا يعبّر فقط عن أغنية، بل يعبّر عن العراق الثقافي، العراق الذي يتحدث بلغة الشعر والجمال. وعندما كان ناظم الغزالي، يصدح بأغانيه، أو حين أعاد إلهام المدفعي، تقديم التراث الموسيقي العراقي بروح جديدة، كانوا جميعاً يقدمون صورة أخرى للعراق؛ صورة بلدٍ يصنع الفن لا الصراع.

وهنا تظهر المفارقة المؤلمة:

فالعراق الذي أعطى العالم هذا الإرث الحضاري والفني العظيم، أصبح في بعض اللحظات يُختصر في سلوك مجموعات مسلحة ترفع شعارات تدفع بالمنطقة نحو التوتر. بين أغنيةٍ عراقية تجمع القلوب، وخطابٍ مسلح يزرع القلق، تتجسد المسافة بين قوة الحضارة وقوة السلاح.

ولهذا ربما يحمل رمضان رسالة أعمق من كل التحليلات السياسية. فالشهر الفضيل يذكّرنا بأن الدين في جوهره دعوة للسلام، وأن الحضارات العظيمة – مثل حضارة العراق القديمة – لم تبن مجدها بالحروب فقط، بل بالثقافة والقانون والفن.

وفي عالمٍ قد يعلو فيه صوت الصواريخ أحياناً، يبقى صوت الفن أكثر بقاءً. لأن أغنية جميلة قد تعيش عشرات السنين في ذاكرة الناس، بينما تختفي ضوضاء السياسة مع تغير الأزمنة.

وهكذا، وسط صخب الجغرافيا السياسية، يظل صوت الحضارة – وصوت الفن – تذكيراً هادئاً بأن الإنسان خُلق ليبني الحياة... لا ليحاصرها بالحروب.