الله المستعان، ليست جملة عابرة تمر على اللسان عندما يشتد التعب بل هي حال نفسية عميقة يصل إليها الإنسان عندما تنفد كل الطرق التي كان يظن أنها ستنقذه.

هي لحظة يكتشف فيها الإنسان أن العقل الذي كان يقوده أصبح صامتاً، وأن القلب الذي كان يحتمل بدأ يثقل وأن الحياة وضعت أمامه باباً لا يملك مفتاحه.

الله المستعان، تقال في تلك اللحظات التي يشعر فيها الإنسان أن الأيام أصبحت أثقل من قدرته على الفهم، وأن الليل يحمل داخله أسئلة لا يستطيع الإجابة عنها، وأن الخوف أحياناً يصبح فكرة تسكن الرأس لا موقفاً عابراً.

الإنسان بطبيعته يحب أن يشعر بالسيطرة، يحب أن يفهم لماذا حدث ما حدث، وإلى أين ستأخذه الأيام، وكيف سيحمي نفسه ممن حوله ومن الحياة، لكن الحياة لا تُدار دائماً بالعقل ولا تُفهم دائماً بالمنطق.

هناك لحظات تمر في عمر الإنسان يتوقف فيها كل تفسير، لحظات يشعر فيها أنه يسير في طريق لا يعرف نهايته.

وأذكر أنني في إحدى التجارب الحياتية وجدت نفسي أمام مرحلة شعرت فيها أن الحياة تختبر قدرتي على الاحتمال.

كانت الأيام تمضي ببطء ثقيل، والتفكير

لا يتوقف والقلب يحمل داخله حيرة كبيرة.

كنت أحاول أن أفهم كل شيء، أن أفسر كل موقف، أن أجد منطقاً لكل شعور.

كنت أظن أن العقل إذا عمل أكثر سيجد الحل، لكن ما حدث كان العكس.

كلما فكرت أكثر زاد التعب.

كلما حاولت السيطرة على الأحداث شعرت أن الحياة تنفلت من يدي، حتى وصلت إلى لحظة صمت داخلي.

لحظة لم يعد فيها لديّ جواب، فقلت ببساطة:

الله المستعان.

وللمرة الأولى فهمت معنى هذه الجملة، هي ليست استسلاماً بل هي نوع عميق من التسليم.

التسليم بأن الإنسان ليس مطالباً أن يفهم كل شيء، ولا أن يسيطر على كل شيء، ولا أن يحمل كل أعباء الحياة وحده.

في علم النفس، هناك مرحلة يسمونها مرحلة القبول الداخلي، وهي اللحظة التي يتوقف فيها الإنسان عن الصراع مع الواقع،

وهنا يحدث شيء مدهش، يهدأ الجهاز العصبي، ويخف ضغط الأفكار، وتبدأ الروح بالتقاط أنفاسها.

ليس لأن المشكلة اختفت، بل لأن الإنسان لم يعد يقاتلها بكل ما يملك.

الله المستعان، هي الجملة التي يقولها الإنسان عندما يضع ثقله عند الله، وعندما يسمح لنفسه أن يرتاح قليلاً من محاولة إنقاذ كل شيء، ومع مرور الأيام، اكتشفت شيئاً مهماً أن الضياع الذي خفت منه لم يكن نهاية الطريق، بل كان طريقاً آخر يقودني إلى نفسي.

أحياناً يضل الإنسان الطريق ليس لأنه فشل، بل لأنه كان يسير في طريق لا يشبهه، وأحياناً تتعب الروح ليس لأنها ضعيفة، بل لأنها كانت تحاول أن تكون شيئاً لا يشبه حقيقتها.

ولهذا عندما ضعت وردّ الله لي ضالتي، لكن ضالتي لم تكن طريقاً في الخارج، كانت نفسي.

رد الله لي نفسي التي كادت تضيع وسط الضجيج، رد لي هدوئي الذي بعثره القلق، رد لي يقيني الذي أرهقته الأسئلة، فاكتشفت أن الطريق الحقيقي لا يبدأ من الخارج، بل يبدأ من الداخل.

الله المستعان، جملة صغيرة، لكنها أحياناً تكون الباب الذي يعيد الإنسان إلى نفسه، فكل من ضاع يوماً وكل من خاف من طريق لا يعرف نهايته.

لا تخف، بعض الضياع ليس إلا بداية العثور على النفس.