كشف تقرير خاص لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي، جوانب من تطورات المواجهة على الجبهة اللبنانية، وملامح الرؤية الإسرائيلية للبنان ما بعد الحرب، وتحولات المعادلة السياسية والعسكرية لـ «حزب الله» في ظل الضغط الشعبي والرسمي اللبناني، واستناداً إلى تحليلات أبرز القيادات الإسرائيلية والأميركية التي ترسم المشهد المعقد.

نصف قوة... وحرب على جبهتين

يكشف التقرير الذي يستند لعمل ميداني مفصل للمراسل العسكري آفي أشكنازي في صحيفة «معاريف»، عن تحولات خطيرة في سير المعارك على الحدود اللبنانية.

ويشير إلى أن التأثير الأولي للرد الإسرائيلي القوي بدأ يتبدد منذ مساء الخميس، ليعود الحزب إلى نسق قتالي مضاعف.

ووفقاً للمعلومات الميدانية، يعتمد حزب الله حالياً على إستراتيجية هجومية مزدوجة المسار: الأول، تكثيف نيران المضادات الدرعية وقذائف الهاون ضد القوات الإسرائيلية المتوغلة في جنوب لبنان، والتي أسفرت حتى الآن عن مقتل جنديين من سلاح الهندسة القتالية.

والثاني، تصعيد القصف الصاروخي باتساع المدى والتواتر، ليشمل ليس فقط المواقع العسكرية والمستوطنات المحاذية للجدار، بل أيضاً المراكز السكانية الكبرى في العمق الإسرائيلي.

ويرى أشكنازي أن منظومة الدفاع الجوي تتعامل مع معظم الإطلاقات، إلا أن الإشكالية الاستراتيجية الأكبر تكمن في قدرة الجيش على إدارة حرب على جبهتين في وقت واحد. ويشدد على أن «الجيش ليس قوة عظمى بحجم الولايات المتحدة». هو جيش جيد، لكنه جيش صغير يعرف كيف يقوم بأعمال كبيرة، وله قيد قوة ومقدرات. وهو غير جاهز لإدارة ساحتين في الوقت نفسه بقوة إلقاء آلاف القنابل يومياً.

مأزق النظرية الإسرائيلية

ويكشف أشكنازي، عن الإشكالية المركزية في العقيدة الإسرائيلية الحالية، والتي تقوم على فرضية أن«تغيير النظام في إيران سيؤدي حتماً إلى التغيير المنشود في لبنان وغزة».

ويخلص إلى أن الجيش مطالب برفع مستوى هجماته في لبنان، مقترحاً العودة إلى استراتيجية«اغتيال القيادات»، وعلى رأسها الأمين العام للتنظيم الشيخ نعيم قاسم، في إشارة إلى نجاعة عملية اغتيال السيد حسن نصرالله في نوفمبر 2024.

معركة البقاء الأخيرة

وفي تطور بالغ الأهمية، يرصد تسفي برئيل في تحليل معمق في«هآرتس» تحولاً دراماتيكياً في المشهد السياسي اللبناني. فيوم الاثنين الماضي، أصدرت الحكومة اللبنانية برئاسة نواف سلام قراراً وصفه برئيل بأنه«انعطافة تاريخية»، قضى باعتبار«النشاطات العسكرية لحزب الله غير قانونية ومحظورة».

والأكثر أهمية، أن رئيس الحكومة نواف سلام، كلف الجيش اللبناني«التحرك لمنع أي إطلاق نار من الأراضي اللبنانية على إسرائيل، واعتقال أي شخص يحاول شن هجوم».

ويكشف برئيل أن هذا القرار استند إلى تأييد شعبي واسع تجاوز الانقسامات الحزبية والطائفية التقليدية، حيث ارتفعت أصوات معارضة للحزب حتى في أوساط الأقلية الشيعية، التي تكبدت الخسائر الأكبر في الأرواح والممتلكات خلال جولات المواجهة السابقة.

ويشير إلى أن الخناق اللبناني بدأ يضيق على الحزب منذ أكثر من عام، خصوصاً بعد خسارته معظم قياداته البارزة وداعمه اللوجستي الأساسي في سوريا. ويلفت إلى أن الحزب تبنى على مدى الأشهر الماضية سياسية الاحتواء، مكتفياً بإدانة الخروقات الإسرائيلية، محاولاً تهيئة نفسه لمرحلة يتعزز فيها دوره السياسي على حساب نشاطه العسكري.

ووفقاً للتحليل، فإن هذا التوجه كان يتوافق مع سياسة إيران التي أصدرت تعليمات لفروعها في لبنان والعراق بخفض مستوى نشاطها، في إطار مفاوضات كانت تجري بشأن اتفاق نووي جديد مع الإدارة الأميركية.

لكن اندلاع الحرب الإسرائيلية - الأميركية على إيران قلب المعادلة رأساً على عقب، حيث أدى إلى تآكل أوراق الضغط الإيرانية، وترك طهران وفروعها في مواجهة مباشرة مع خطر وجودي.

وضع متناقض

يقدم برئيل مقارنة جيوسياسية مهمة، تشير إلى خصوصية الوضع اللبناني بالنسبة لإيران وحزب الله. ففي العراق، تتمتع الميليشيات الموالية لطهران بدعم سياسي وحكومي ضمن هيئة الحشد الشعبي، الذي يحصل على ميزانية رسمية ويتمتع بشرعية قانونية.

أما في لبنان، فقد نشأ وضع متناقض وخطير، حيث تعارض الحكومة الحالية ومعظم مكونات الشعب النشاطات العسكرية للحزب، مما يمنح الدولة شرعية لانتزاع سلاحه ويهدد وجوده السياسي بوصفه «دولة داخل دولة».

حرب انتحارية أم معركة وجود؟

في السياق، يصف برئيل قرار حزب الله بالانضمام إلى الحرب ضد إسرائيل بأنه «حرب انتحارية» و«معركة وجوده الأخيرة». فالحزب عاد إلى مهمته الأصلية باعتباره أقوى حلقات «حزام النار» الذي أقامته إيران حولها، إلا أن هذه الحلقة فقدت معناها العملي بل والرمزي في ظل النطاق الواسع للهجوم المباشر على العمق الإيراني.

وتكشف المقارنة مع الفروع الإيرانية الأخرى عن تردد واضح. ففي العراق، لم تستخدم سوى اثنتان من أصل 12 ميليشيا أسلحتها بشكل فعلي. أما الحوثيون، فرغم قدراتهم على استهداف حركة الملاحة في البحر الأحمر ومنشآت النفط الخليجية، لا يزالون في موقع المراقب.

جر إسرائيل إلى المستنقع اللبناني

يقدم تحليل «هآرتس» قراءة مغايرة للوضع، حيث يرى أن الظروف الحالية تمنح حزب الله مزايا استراتيجية نوعية، رغم الضغوط المحيطة به. ويمكن إجمال هذه المزايا على النحو التالي:

عسكرياً: يتيح جر إسرائيل إلى عملية برية موسعة في جنوب لبنان، حيث يمكن استهداف قواتها بقوات محدودة في تضاريس معروفة وممهدة، مما قد يحقق إنجازات نوعية بتكلفة منخفضة.

سياسياً: يتيح للحزب استعادة دوره التاريخي باعتباره «قوة المقاومة» الوحيدة القادرة على مواجهة إسرائيل، بعد أن كاد يفقد هذه المكانة لصالح الدولة اللبنانية.

استراتيجياً: الأهم من ذلك كله، أن الحرب الحالية تعرقل مسارين وجوديين يهددان الحزب: الأول، عملية نزع سلاحه على يد الحكومة اللبنانية. الثاني، نشر الجيش اللبناني في جنوب البلاد، والثالث، التقدم نحو مفاوضات سياسية مباشرة مع إسرائيل. وهذه الخطوات، التي وافقت عليها الحكومة اللبنانية مبدئياً، تشكل تهديداً وجودياً للتنظيم بوصفه قوة عسكرية مستقلة.

الثمن اللبناني الباهظ

لا يغفل التحليل عن الكارثة الإنسانية التي تفتك بلبنان. فنحو مليون مواطن لبناني نزحوا من منازلهم في الجنوب، واضطروا إلى المبيت في مبان عامة ومواقع بناء وملاجئ موقتة تفتقر إلى الحد الأدنى من متطلبات الحياة. وتضررت سلاسل الإمداد الغذائي، وارتفعت الأسعار بشكل جنوني، وموسم زراعي آخر يوشك على الضياع في قرى الجنوب.

ويشير برئيل إلى مفارقة قاسية: فبينما كان حزب الله يتعهد في السابق بتعويض المتضررين ودفع جزء من إيجارات النازحين، فإنه اليوم غير قادر على الوفاء بهذه الالتزامات، كما أن طهران تواجه صعوبات في تحويل الأموال اللازمة لإعادة الإعمار.

وهنا تبرز الحكومة اللبنانية كالملاذ الوحيد للمواطنين، لكنها تعاني من نقص حاد في الموارد، وقدرتها على إعادة التأهيل أو حتى إدارة تدفقات النازحين شبه معدومة.

تكشف التحليلات الإسرائيلية عن رؤية متبلورة للبنان ما بعد الحرب، ترتكز على إنشاء «منطقة أمنية» أو«منطقة منزوعة السلاح» في جنوب البلاد، تبقى فيها قوات إسرائيلية «طالما دعت الحاجة». ويشير تسفي برئيل إلى أن إسرائيل تقصف حالياً جنوب لبنان ومناطق أخرى، ويبدو أنها تخطط لتوسيع عمليتها البرية لتثبيت هذه المنطقة.

لكن التجارب السابقة، وتحديداً الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان بين عامي 1982 و2000، تقدم دروساً قاسية في كلفة الاحتلال المباشر. لذلك، يميل التقدير إلى أن الخيار الأكثر ترجيحاً هو خلق منطقة عازلة تحت السيطرة الإسرائيلية، مع الضغط على الحكومة اللبنانية لتحمل مسؤولية منع عودة حزب الله، مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي.

الانسحاب المشروط

تضع إسرائيل شروطاً صارمة لأي انسحاب كامل من الأراضي اللبنانية. ويكشف آفي أشكنازي عن الهدف الاستراتيجي الإسرائيلي:«محاولة إضعاف حزب الله لدفعه إلى الانهيار في اليوم التالي لإزالة حكم آيات الله في إيران».

وبناءً على ذلك، فإن الانسحاب الإسرائيلي مشروط بتحقيق هدفين رئيسيين:

- إنهاء الوجود العسكري لحزب الله في جنوب لبنان، إن لم يكن في كل الأراضي اللبنانية.

- نشر الجيش اللبناني على كامل الحدود، مع ضمانات دولية ملزمة تمنع عودة التنظيم.

ويكشف برئيل عن مفارقة لافتة:«توجد في لبنان حكومة لا تحتاج إلى تشجيع إسرائيلي عنيف لكبح نشاطات حزب الله. هذه حكومة تعتبر نفسها شريكة في الهدف نفسه». لكن التحدي الأكبر يتمثل في العجز المادي والمؤسساتي للحكومة اللبنانية عن فرض سيطرتها على الجنوب، في ظل نقص حاد في الموارد وقدرات محدودة للجيش.

ويحذر من مغبة التهديدات الإسرائيلية«بتحويل بيروت إلى خان يونس ولبنان إلى قطاع غزة»، مشيراً إلى أن التجربة في غزة تثبت أن حماس ما زالت تنشط وتزداد قوة رغم الدمار الشامل.

لبنان أمام خيارين لا ثالث لهما

في دراسة متعمقة صادرة عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، يرى الباحث حنين غدار أن لبنان يقف اليوم أمام مفترق طرق مصيري:«إما أن تنتصر الدولة اللبنانية وينتزع سلاح حزب الله، وإما أن ينتصر الحزب وتتحول الدولة إلى خراب شامل».

ويشدد على أن «النافذة التاريخية» الحالية هي الأكثر ملاءمة لنزع سلاح الحزب، نظراً لتقاطع الضغوط الدولية والإقليمية والمحلية عليه، محذراً من أن«تأخير القرار قد يعني ضياع الفرصة إلى الأبد».

انتصار الدولة اللبنانية

في هذا السيناريو، تنجح الحكومة اللبنانية في استغلال الضغط الدولي والإقليمي لانتزاع سلاح حزب الله، ونشر الجيش اللبناني على كامل الأراضي، خاصة في الجنوب. تنسحب إسرائيل من المناطق التي احتلتها مقابل ضمانات دولية ملزمة، ويعاد إعمار الجنوب بتمويل خليجي ودولي. هذا هو السيناريو الأمثل، لكنه يواجه تحديات كبرى، أبرزها ضعف الحكومة اللبنانية مادياً وسياسياً، واحتمال لجوء الحزب إلى العنف لحماية كيانه.

مستنقع جديد

تفشل الضربات الجوية في كسر شوكة حزب الله، فتتورط إسرائيل في عملية برية موسعة في جنوب لبنان. يعيد الحزب بناء قدراته القتالية مستغلاً معرفته العميقة بالتضاريس، ويتحول جنوب لبنان إلى ساحة قتل مكلفة للجيش الإسرائيلي. تتصاعد الخسائر البشرية، ويتحول نزوح سكان الشمال الإسرائيلي إلى أزمة سياسية داخلية تضعف الحكومة. في المقابل، يعيد الحزب ترميم صورته كقوة مقاومة، ويعزز قبضته على بيئته الحاضنة.

تسوية سياسية تحت النار

تحت وطأة القتال، وبوساطة أميركية فرنسية قطرية، يتم التوصل إلى تفاهمات جديدة تقوم على الأسس التالية:

- انسحاب إسرائيلي تدريجي من جنوب لبنان مقابل نشر الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل المعززة.

- تفكيك البنية العسكرية لحزب الله جنوب نهر الليطاني، مع الإبقاء على دوره السياسي في بيروت.

- إعادة إعمار الجنوب بتمويل دولي، يشمل تعويضات للنازحين والمتضررين.

- ترسيم الحدود البرية بين لبنان وإسرائيل تحت إشراف الأمم المتحدة.

هذا السيناريو يبدو الأكثر واقعية، لكنه يتطلب تنازلات مؤلمة من جميع الأطراف: من إسرائيل التي ستنسحب دون تحقيق«النصر»، ومن حزب الله الذي سيفقد سلاحه في الجنوب، ومن الحكومة اللبنانية التي ستتحمل مسؤولية أمن منطقة كانت خارج سيطرتها لعقود.

ويجمع المحللون الاستراتيجيون على أن لبنان يعيش أخطر مرحلة في تاريخه الحديث.

ويبقى السؤال الأكبر معلقاً في سماء بيروت: هل تنجح الحكومة اللبنانية الحالية حيث فشلت كل الحكومات السابقة؟ وهل تسمح إسرائيل بقيام دولة لبنانية قوية على حدودها الشمالية، أم أنها ستظل تفضل الجار الضعيف على الجار القوي؟

الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة، في وقت تبدو فيه المنطقة على موعد مع إعادة تشكيل جيوسياسي شامل.