تمثل الأمعاء البشرية موطناً لمليارات الكائنات الدقيقة التي تلعب دوراً حيوياً في صحتنا، لكن العلماء في جامعة «بيركلي» بولاية كاليفورنيا الأميركية حققوا اختراقاً علمياً مذهلاً في مطلع العام 2026 يتمثل في القدرة على «إعادة برمجة» هذه البكتيريا جينياً.
وفي هذا السياق، لم يعد الميكروبيوم مجرد مجتمع يعيش داخلنا، بل تحول إلى مصنع بيولوجي يمكن توجيهه لإنتاج مركبات علاجية مباشرة داخل الجسم، وهو الأمر الذي يَعِد بتغيير جذري في كيفية علاج أمراض التمثيل الغذائي والالتهابات المزمنة وحتى السرطان.
وتعتمد هذه التقنية المتطورة على استخدام أدوات التعديل الجيني المتقدمة لإضافة وظائف محددة لسلالات معينة من بكتيريا الأمعاء النافعة.
وبناء على ذلك، أُعلن عن نجاح تجارب أولية تم فيها تعديل بكتيريا لتقوم بامتصاص الفائض من السكر أو الدهون قبل وصولها إلى مجرى الدم، وهو الأمر الذي يفتح باباً للأمل أمام ملايين المصابين بمرض السكري من النوع الثاني والسمنة المفرطة.
وفضلاً عن ذلك، فإن هذه البكتيريا المبرمجة تعمل بشكل ذكي، حيث لا تفرز مادتها العلاجية إلا عند استشعار وجود خلل حيوي معين في البيئة المحيطة بها داخل الجهاز الهضمي.
ويرى الباحثون أن هذه الطريقة تتفوق على الأدوية التقليدية لأنها توفر علاجاً مستمراً وذاتياً من دون الحاجة لحقن يومية أو تناول حبوب بجرعات كبيرة قد تؤثر على الكبد أو الكليتين.
وتساعد هذه التقنية في تعزيز الجهاز المناعي من خلال تدريب الخلايا المناعية في الأمعاء على التعرف على التهديدات الحقيقية والتمييز بينها وبين الأنسجة السليمة، وهو الأمر الذي يقلل من مخاطر أمراض المناعة الذاتية. وتجري الأبحاث حالياً لاستكشاف إمكانية إنتاج هورمونات السعادة والناقلات العصبية من خلال هذه البكتيريا لتحسين الصحة النفسية.
ولتحقيق الاستفادة القصوى من هذه التطورات المستقبلية، يبرز دور التغذية في تهيئة البيئة المناسبة لنمو هذه البكتيريا المبرمجة من خلال ما يأتي:
• التركيز على الألياف المعقدة التي تعمل كوقود أساسي للبكتيريا النافعة وتساعدها على الاستقرار والتكاثر في جدران الأمعاء.
• تقليل استهلاك المحليات الاصطناعية والمواد الحافظة التي قد تؤثر سلباً على التوازن الجيني للميكروبيوم المعدل.
• دمج الأطعمة المتخمرة الطبيعية مثل الزبادي والكيمتشي التي تساهم في تنويع السلالات البكتيرية داخل الجهاز الهضمي.
• الحفاظ على روتين حياة يقلل من التوتر النفسي، إذ يؤثر هورمون الكورتيزول بشكل مباشر على بيئة الأمعاء وحيوية الكائنات الدقيقة فيها.
ولا تزال هناك تحديات أخلاقية وتقنية تتعلق بضمان عدم خروج هذه البكتيريا المعدلة عن السيطرة أو انتقال جيناتها إلى سلالات ضارة، وهو الأمر الذي يتطلب رقابة صارمة وبروتوكولات أمان بيولوجي مشددة.
وبناء على ذلك، يتم العمل حالياً على تصميم «مفاتيح أمان» جينية تسمح للأطباء بإيقاف نشاط هذه البكتيريا أو القضاء عليها تماماً إذا دعت الحاجة. وختاماً، فإننا نقف على أعتاب عصر جديد يكون فيه الدواء كائناً حياً يتنفس داخلنا، وهذا يجعل مفهوم الصحة الشخصية أكثر دقة وفاعلية من أي وقت مضى.