ربما الكثير منا يتساءل: لماذا تورط هؤلاء الأشخاص من النخب الأميركية والبريطانية والأوروبية مع الجاسوس اليهودي جيفري إبستين، وبدأوا يتساقطون كأوراق الشجر يوماً بعد يوم، ولماذا نشاهد هذا التعاون المريب معه طوال سنوات، أي منذ نشأة الجزيرة المشبوهة، ولماذا كان المتهم إبستين على صلات مباشرة مع نحو 20 من الرؤساء التنفيذيين لشركات عملاقة ومستثمرين كبار من العالم، ولماذا كان يصر على تصوير لقاءاته مع الرؤساء ورجال الأعمال والاقتصاد والمشاهير، هل بسبب عقليته أم ذكائه اللامحدود مع الآخرين؟

ففي الخلاصة نجد أن كل هذه الأعمال الشريرة التي كان يقوم بها لم تكن مصادفة، بل وفق تخطيط مسبق منه ومن يعمل معه من «الموساد»، واليوم نرى أن كل هؤلاء الأشخاص الذين تدوّنت أسماؤهم في الوثائق السرية لجيفري إبستين، سيلقى القبض عليهم عاجلاً آم آجلاً حتى ينالوا عقوبتهم الدنيوية بعدما وجهت لهم أصابع الاتهام بأبشع الجرائم غير الأخلاقية، وسط اتهامات عديدة على اعتداءات جنسية من خلال إنشاء شبكة للدعارة مع القاصرات في الجزيرة المشبوهة حيث يواجه إبستين اتهامات خطيرة تتعلق بالاتجار الجنسي والتآمر لاستغلالهن جنسياً في كل من فلوريدا ونيويورك بين عامي 2002 و2005م كما أدين سابقاً في 2008 بجرائم جنسية وتجددت الاتهامات الفيدرالية في 2019 قبل وفاته أو اختفائه، فيما كشفت وثائق المحكمة وسجلات الرحلات عن اتصالات مشبوهة لإبستين بشخصيات أجنبية وعربية بارزة، الأمر الذي أثار قضايا أوسع مما نتخيل حول استغلاله للعلاقات العامة في جميع أنشطته لاسيما أنه لا أحد فوق القانون كما يقال.

فما حدث للأمير البريطاني السابق أندرو ماونتباتن ويندسور، شيء لا يمكن تصديقه؛ حيث أثار أمر اعتقاله تفاعلاً واسعاً داخل المملكة المتحدة وخارجها، وخصوصاً بعد صدور بيان من عائلة الضحية فيرجينيا جوفري، التي اتهمته بالاعتداء عليها جنسياً منذ أن كان عمرها أقل من 18 عاماً، ووجود شبهات أخرى متعلقة بوثائق سرية لجيفري إبستين، وكذلك بشبهة سوء السلوك في الوظيفة العامة حين توليه بمنصب عام (المفوض التجاري البريطاني) وهي متعلقة بادعاءات مشاركة مواد سرية مع الممول المدان جيفري إبستين.

وفي الوقت نفسه نفى أندرو، هذه التهم الموجهة إليه ولكن كما يبدو أن اسمه ورد في وثائق إبستين بشكل متكرر، وبالتالي يبدو أن التحقيقات ستسلط الضوء حول قيامه إبان توليه منصبه بإرسال وثائق حكومية سرية إلى المتهم إبستين، كما تكشف من الوثائق المسربة أن أندرو زوّد صديقه إبستين، بتقارير حساسة تتعلق بفرص الاستثمار في أفغانستان وتقييمات تجارية لدول أجنبية مثل فيتنام وسنغافورة، عندما زارها بصفته الرسمية ممثلاً عن التجارة والاستثمار في بريطانيا، فما يلفت الأنظار هنا أن هذا الاعتقال هو الأول والفريد من نوعه كونه موجهاً لعضو بارز وكبير في العائلة المالكة في بريطانيا منذ اعتقال الملك تشارلز الأول، في نهاية الحرب الأهلية الإنكليزية.

لذا، كان صعباً حقاً على الملك تشارلز الثالث، أن يرى أخاه الأصغر في قبضة الشرطة البريطانية حتى وإن كان تحت إجراء تحقيق سواء كان عادلاً أو مشتبهاً في سوء سلوك في منصبه!

والصدمة الأخرى حينما يجرد قصر باكنغهام الملكي الأمير السابق أندرو ويندسور، من ألقابه العسكرية العالية ثم لأدواره في رعاية الجمعيات الأهلية والخيرية، فلن يستخدم لقب (صاحب السمو الملكي) له بعد اليوم بعد أن تجاوز عمره الـ 66 عاماً.

والسؤال هنا: هل تحدث الأمير أندرو إلى السلطات في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية بشأن فضيحة جيفري إبستين، ليبين لهم وجهة نظره، أم أنه ترك الأمر لهم وكأنه لا يعنيه؟!

وفي ضوء مستجدات فضائح الملياردير إبستين، انسحب أندرو من الحياة العامة وكان قبلها في مقابلته مع قناة الـ BBC عام 2019 التي وصفها المتابعون بأنها مقابلة سلبية كارثية بسبب دفاعه عن علاقته مع صديقه إبستين، فيما يتوقع البريطانيون إطلاق تسمية جديدة لسباق الخيول الذي يقام في بريطانيا حالياً بعدما كان تحت رعاية دوق يورك الأمير أندرو، تجنباً للإحراج العام أو حدوث أي التباس مع المشاركين بعد أن تضررت سمعته بسبب الاتهامات باعتداءات جنسية! فيما فتشت الشرطة البريطانية قصره الخاص بعد ساعات من انتشار صوره وهو يغادر قسم الشرطة في مشهد غريب لفت أنظار العالم إليه، فالموقف وكأنه صورة معبرة لهزيمة «بطل» أو كسر جناح ملك لاسيما أن إلقاء القبض عليه كان يصادف يوم ميلاده السادس والستين، ولكن على أي حال تم الإفراج عنه وهو على ذمة التحقيق بعد احتجازه أكثر من 10 ساعات متواصلة ووجهه يكسوه الوجوم وكأنه لم يستوعب ما يحدث له، إلا أن أخاه الملك تشارلز الثالث، علق على الحادثة مبدياً قلقه العميق ومؤكداً على ضرورة أن يأخذ القانون مجراه من خلال إجراءات قضائية عادلة.

وبالرغم من إلقاء القبض عليه إلا أنه لا يعني ثبوت التهمة عليه بأنه مذنب، ولكن الشرطة البريطانية لديها شكوك منطقية على ارتكاب جريمة كونه متهماً بالتورط فيها، في حين لم تقدم الشرطة البريطانية أي معلومات إضافية بشأن قضيته وإنما اكتفت بإصدار بيان يفيد بإطلاق سراحه بعدما كان أندرو، رهن التحقيق!

واليوم، هناك تقارير تفيد بأن الحكومة البريطانية تدرس تشريعاً جديداً مبنياً على استبعاد أندرو، من ترتيب ولاية عرش بريطانيا نهائياً بمجرد الانتهاء من التحقيق وخصوصاً بعد اكتشاف علاقته الوثيقة مع المدان جيفري إبستين، وبالتالي إذا كانت هناك أي ترتيبات أو تغييرات في ترتيب ولاية العرش ستتطلب التشاور والاتفاق مع الدول الأخرى التي يرأسها الملك تشارلز الثالث.

وفي ضوء ما سبق، ما نريد قوله هنا هو أن زلزال وثائق جيفري إبستين السرية لم يهز كيان أصحاب السلطة والنفوذ والنخبة فقط وإنما هز القصر الملكي البريطاني بأكمله بعد صدمة اعتقال الأمير السابق أندرو، وبالتالي تعتبر الحادثة هي سابقة تاريخية لم تشهدها بريطانيا منذ عام 1649م، وسط استمرار المستجدات التي جعلت بقاء أندرو في العرش البريطاني أمراً مستحيلاً وغير مقبول سياسياً وشعبياً...

ولكل حادث حديث،،،

Alifairouz1961@outlook.com