من خلال تسارع الأحداث في الفترة الأخيرة، أدركت بوعيٍ مختلف هذه المرة كم أن العيش في وطنٍ ينعم بالأمن ليس أمراً اعتيادياً، بل نعمة كبرى لا يُدرك عمقها إلا حين تهتزّ اللحظة، ولو لثوانٍ.
كابنةٍ كويتية من وإلى الكويت، وُلدت وترعرعت في أرضٍ طالما عُرفت باستقرارها، كنت أسمع كثيراً أن نعمة الأمن ليست تفصيلاً عابراً، وأن أوطاناً بأكملها تُحسد على ما تنعم به من طمأنينة تحت قيادةٍ حكيمة تدير شؤونها بعقلٍ ورويّة. غير أن الإنسان لا يستشعر قيمة الثبات إلا حين يرى محيطه يموج بالتحولات.
منذ سنواتي الأولى، كان فضولي يقودني نحو قراءة التاريخ، لا من باب الترف المعرفي، بل بحثاً عن فهمٍ أعمق لمسار البشر والدول.
التاريخ — حين يُقرأ بإنصاف — ليس سرداً للحروب فحسب، بل دراسة لتحولات القوة، وصعود الإمبراطوريات وسقوطها، وثمن الخوض في بحر السياسة والاقتصاد والفلسفة.
وقد علّمنا التاريخ أن أعظم الكوارث لم تبدأ دائماً بصوتٍ عالٍ، بل أحياناً بسوء تقدير، أو بخللٍ في توازن الردع، أو بانفعالٍ لم يُحسب جيداً، وفي كل مرة كنت أقرأ فيها عن حربٍ اندلعت، كنت أبحث لا عن لحظة الانفجار، بل عن اللحظة التي سبقتها: أين كان يمكن تفاديها؟ متى كان يمكن احتواؤها؟ وكيف تحوّل الخلاف إلى صراعٍ مفتوح؟ وهنا أدركت أن السياسة ليست مجرد مواقف، بل فن إدارة الاحتمالات، وأن الاستقرار ليس حالة جامدة، بل توازن دقيق يتطلّب وعياً دائماً وحكمةً مستمرة.
قرأت عن شعوبٍ هجرت أوطانها، وأسرٍ حملت أطفالها ليلاً بحثاً عن ملاذٍ آمن، وعن مدنٍ كانت نابضة بالحياة ثم صارت أطلالاً بفعل نزاعاتٍ لم تُحسن إدارتها. كان الجامع بين تلك القصص كلها كلمة واحدة: الأمان.
فالإنسان، مهما اختلفت ثقافته أو لغته، لا يطلب في نهاية المطاف سوى سقفٍ يحميه، وسماءٍ لا تمطر خوفاً.
لطالما بدت تلك الحكايات بعيدة عن واقعنا؛ كأنها فصولٌ في كتب التاريخ لا أكثر. ُقرأ بعين المتأمل لا بعين المهدَّد، وتُحلَّل ببرود الباحث لا بقلق مَنْ يعيشها. كان الشعور العام أن المسافة بيننا وبين تلك العواصف مسافة جغرافيا وسياسة، وأن الاستقرار الذي نعيشه قدرٌ ثابت لا يتزحزح.
غير أن اللحظات العابرة من القلق كفيلة بأن تعيد ترتيب الإدراك. فحين يقترب صوت الحدث — ولو من بعيد — يتبدل الإحساس، ويدرك الإنسان أن ما كان يراه نظرية في كتب العلاقات الدولية هو في جوهره تجربة بشرية تتعلق بالأمان اليومي، بالنوم الهادئ، وباليقين الذي يسبق كل صباح، ومن خلال الاحداث المتسارعة في الفترة الأخيرة ، وسماع صفارات الانذار ، وحين عاش الناس لحظات قلقٍ لم يعتادوها، تبدّل الإحساس.
ورغم أن ما مررنا به — بحمد الله — تمت السيطرة عليه بكفاءة ومسؤولية، إلا أن مجرد الإحساس بعدم القدرة على النوم بهدوء، أو انتظار خبرٍ مطمئن، كفيل بأن يوقظ فينا تقديراً جديداً لمعنى الاستقرار.
عندها فقط يتضح أن الاستقرار ليس امتيازاً عابراً، بل نتيجة تراكم طويل من الحكمة السياسية، والتوازن الإستراتيجي، وإدارة دقيقة لمحيط إقليمي معقد. وأن الأوطان التي تنعم بالأمن لا تفعل ذلك صدفة، بل لأن وراء هذا الأمن مؤسساتٍ يقظة، وقراراتٍ محسوبة، وإرادةً واعية تُقدّم مصلحة الدولة فوق كل اعتبار.
الكويت، ودول الخليج عموماً، قامت عبر تاريخها الحديث على معادلة دقيقة: الحزم في حماية السيادة، والحكمة في إدارة الأزمات، والتوازن في قراءة الإقليم.
ولم يكن الاستقرار الذي ننعم به وليد الصدفة، بل ثمرة رؤيةٍ سياسية راشدة، واستثمارٍ طويل في مؤسسات الدولة، وثقةٍ متبادلة بين القيادة والشعب.
إن لحظات القلق، مهما كانت عابرة، تذكّرنا بأن الأمن مسؤولية مشتركة؛ تبدأ بوعي المواطن، وتترسخ بثقته في مؤسساته، وتتعزز بالتماسك الداخلي في وجه الاشاعات والانفعال وضبط النفس.
نحن اليوم لا نكتب بدافع الخوف، بل بدافع الامتنان.
امتنانٌ لوطنٍ ننتمي إليه لا على الورق فحسب، بل في الوجدان، لوطنٍ يتجذّر فينا كما تتجذّر الأرض في شجرها، ولقيادةٍ تدير المشهد بعقلٍ وحكمة، ولمجتمعٍ أثبت أن وحدته ليست شعاراً، بل قيمةٌ راسخة تشكّل خط الدفاع الأول.
فحبّ الوطن فينا ليس طارئاً ولا ظرفياً، بل هو انتماءٌ أصيل، وولاءٌ ثابت، وإيمانٌ عميق بأن الكويت ليست مكاناً نعيش فيه، بل هويةٌ نعيش بها.
ونمضي بهذا الخطى ثابتين.
اللهم احفظ الكويت قيادةً وشعباً، واحفظ دول الخليج من كل سوء، وأدم علينا نعمة الأمن والاستقرار، واجعل تدبيرنا رشداً وسلاماً، واصرف عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.