«وقل رب زدني علماً»

أخي العزيز..

هناك جمال أخاذ في الطبيعة، لا تخطؤه العين، كلنا شاهدناه بجماله وسحره، وربما مِنا من جمّل به منزله، وأقام السياج حوله؛ ليحميه من عبث العابثين، وربما استفاد من ثمره، طبعاً عرفتم ما أقصد من الكلمة الأخيرة؟ ألا وهي الأشجار بشتى أنواعها وأشكالها وأحمالها.

جمال بثه الله في كونه الواسع؛ للتمتع به، والاستفادة من ثمره، بل هو رئة العالم؛ حيث إنه ينتج الأكسجين الذي نتنفسه في الهواء، فلولا أن وهبنا اللهُ الأشجار لمات الإنسان والحيوان، فهي من أعظم نعم الله على أهل الأرض قاطبة، وأنا أشجع على زراعة الأشجار، ومعي الكثيرون من محبي الزراعة. هذا في الدنيا التي نعيش فيها.

سؤال: كيف تزرع لك أشجاراً في الجنة، وأنت على سطح الأرض، في الحياة الدنيا؟!

قد تتعجب وتقول: وما علاقة الدنيا بالآخرة؟! فأقول لك: هناك علاقة وطيدة، لا تنقطع ولا لثانية واحدة، فأنت عندما تسبّح مثلا وتقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أتعرف ماذا أضفت إلى أملاكك في الجنة؟ أضفت إليها أربع أشجار، لا يعلم طولها ولا جمالها إلا خالقها، نعم هذا هو الحاصل، بل لك جائزة أخرى، أتعرف ما هي؟ لك في كل تسبيحة صدقة، وفي كل تحميدة صدقة، وهناك أيضاً بكل واحدة من هؤلاء الأربع عشر حسنات؛ أي أربعون حسنة، كل هذه النعم في أربع ثوانٍ فقط لا غير!

نعم خذ الساعة التي معك وانظر إلى عداد الثواني، وقل سبحان الله، ماذا أخذت من وقتك الثمين؟ ثانية واحدة فقط لا غير، شجرة في الجنة، صدقة بعشر حسنات، كرم إلهي لا يقدر، وأزيدك أيضاً إن قلت: لا حول ولا قوة إلا بالله، لك كنز يأتيك من تحت العرش، من أشرف مكان في الوجود، وممن؟ من خالقك، هل تتصور هذا الكنز وما فيه؟ قد نعرف كنوز الدنيا وما فيها من جواهر ولؤلؤ وزبرجد وماس وغيرها، قل لي بربك كم إنساناً في زمننا الحاضر حصل على كنز؟ نادر جداً حصول ذلك، وأنت تقدر على ذلك، وهو كنز من الجنة، فلِم تتوانَ في تحصيل ذلك الفضل العظيم؟ إنها الغفلة التي أصابتنا جميعاً -إلا من رحم الله- غفلة عما يمكن أن نزيد به رصيدنا في الآخرة.

يا أخي! إننا في الدنيا كالفلاحين؛ نزرع هنا ونحصد هناك، لا أكثر ولا أقل، أكثِر من الزراعة هنا تُكثر من الحصاد هناك، قلل هنا تقلل هناك، ولا تنسَ أنّ ما تزرعه هناك سيبقى خالداً إلى الأبد، نَعَم.. فالجنة كل ما فيها خالدٌ إلى الأبد، أما ما هنا، فأنت تعرف مصيره، فاسعَ إلى الدائم، ولا تسعَ إلى المنقطع، رحمك الله.