شهد الإقليم في 28 فبراير 2026 تصعيداً عسكرياً خطيراً يُنذر بتحوّل نوعي في طبيعة الصراع الدائر منذ أشهر، المواجهة لم تعد محصورة في حرب بالوكالة أو ضربات محدودة بل اتجهت نحو انخراط مباشر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى مما يفتح الباب أمام مرحلة إقليمية أكثر تعقيداً.
التطورات العسكرية الأخيرة تعكس فشل مسارات الاحتواء السياسي خصوصاً في ظل تعثر المفاوضات المرتبطة بالملف النووي الإيراني وتصاعد الاشتباكات غير المباشرة في أكثر من ساحة. وعزّزت الردود المتبادلة من مناخ الردع المتبادل لكنها في الوقت ذاته رفعت احتمالات الانزلاق إلى صراع أوسع قد شمل أطرافاً إقليمية أخرى مثل دول الخليج.
على المستوى الإستراتيجي يشكّل هذا التصعيد اختباراً حقيقياً لأمن الخليج والممرات البحرية الحيوية خاصة مع تصاعد الردع من اضطراب حركة الملاحة وإمدادات الطاقة، كما انعكست التطورات فوراً على الأسواق العالمية وسط توقعات بارتفاع أسعار النفط وزيادة التقلبات المالية.
في ظل التصعيد العسكري الأخير بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران وجدت دول الخليج نفسها في دائرة التأثر المباشر بحكم موقعها الجغرافي وحساسيتها الأمنية. في الكويت رفعت درجات الجاهزية الأمنية واتخذت إجراءات احترازية لحماية المنشآت الحيوية والمجال الجوي، مع متابعة دقيقة لأي انعكاسات محتملة على القواعد العسكرية والبنية التحتية. وفي الإمارات فقد عزّزت منظومات الدفاع الجوي وفعّلت خطط الطوارئ المرتبطة بأمن الطيران والموانئ في ظل امتداد التهديدات. وفي قطر تم تكثيف التنسيق الأمني مع الشركاء الدوليين خاصة مع وجود قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها إلى جانب إجراءات وقائية لضمان استمرارية الملاحة الجوية وسلامة المنشآت الإستراتيجية المشتركة بين هذه الدول هو السعي لاحتواء التداعيات دون الانخراط المباشر أكثر في المواجهة مع الحفاظ على الاستقرار الداخلي وتطمين الرأي العام.
دول المنطقة تجد نفسها أمام معادلة دقيقة الحفاظ على الاستقرار الداخلي وتحصين الجبهة الأمنية والاقتصادية، مع تجنب الانخراط المباشر في المواجهة. في المقابل، يتحرك المجتمع الدولي دبلوماسياً لاحتواء الأزمة ومنع تحولها إلى حرب إقليمية شاملة يصعب التحكم بمسارها.
الخلاصة أن المشهد الإقليمي دخل مرحلة إعادة توازن بالقوة حيث تسعى الأطراف الرئيسية إلى تثبيت قواعد اشتباك جديدة، غير أن خطورة اللحظة تكمن في أن أي خطأ في الحسابات قد يدفع المنطقة إلى مواجهة أوسع تتجاوز حدود الضربات المتبادلة نحو صراع مفتوح بتداعيات إستراتيجية عميقة.
في المرحلة المقبلة، ستتمحور الأجندة الإقليمية حول إدارة التصعيد لا توسيعه، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى تثبيت قوة الردع دون الانزلاق إلى حرب شاملة، بينما تعمل إيران للحفاظ على نفوذها الإقليمي عبر رسائل قوة محسوبة تضمن بقاء أوراقها التفاوضية في المقابل، في حين تركز إسرائيل على منع أي تموضع عسكري معاد يهدد أمنها الإستراتيجي مع استمرار سياسة الضربات الاستباقية. أما دول الخليج فستتجه أجندتها نحو تحصين الجبهة الداخلية وتعزيز التنسيق الأمني وحماية الممرات البحرية والاقتصاد الوطني مع السعي لتجنب الانخراط المباشر في المواجهة بما يحفظ الاستقرار ويمنع انتقال الصراع إلى أراضيها.