تشهد الأسواق النفطية حالة من الترقب مع تصاعد التهديدات الأميركية بضرب إيران، وهو ما انعكس سريعاً على الأسعار. فبعد أن كان سعر برميل خام برنت مستقراً عند حدود 68 دولاراً قبل نحو أسبوع، عادت المخاوف الجيوسياسية لتدفعه نحو 72 دولاراً للبرميل، وسط موجة من التوقعات والتكهنات بشأن سيناريوهات الحرب واحتمالات إغلاق مضيق هرمز.
هذه التهديدات أعادت إلى الواجهة الحديث عن أزمة نفطية محتملة، وعن قدرة العالم على التعامل مع توقف تدفق ما يقارب 20 إلى 25 مليون برميل يومياً تعبر من الخليج العربي إلى الأسواق شرقاً وغرباً. فالمضيق ليس ممراً عادياً، بل شريان إستراتيجي للطاقة العالمية، تعتمد عليه دول آسيا بشكل شبه كامل، إضافة إلى أسواق أوروبا وأجزاء من الولايات المتحدة.
لكن، هل إغلاق المضيق بهذه السهولة؟
من الناحية العملية، إغلاق ممر مائي بهذه الأهمية الإستراتيجية ليس أمراً يسيراً، في ظل وجود مصالح دولية كبرى وجيوش وأساطيل بحرية تحرص على تأمين حرية الملاحة. وحتى في حال وقوع تعطيل موقت، فإن إعادة فتحه لن تستغرق وقتاً طويلاً قياساً بحجم المصالح المتضررة.
المفارقة أن الأسواق، رغم ارتفاع الأسعار، لم تُظهر بعد سلوكاً يعكس ذعراً حقيقياً. فلم نشهد اندفاعاً واسعاً نحو شراء شحنات فورية بكميات ضخمة، ولا تحركاً غير اعتيادي لناقلات النفط العملاقة لتخزين الخام خارج الخليج تحسّباً لأسوأ السيناريوهات. ما يحدث حتى الآن يبدو أقرب إلى مضاربات مدفوعة بالخوف والتلميحات، أكثر من كونه أزمة إمدادات فعلية.
في المقابل، تلوّح إيران — ضمن مفاوضاتها الجارية مع الولايات المتحدة — بتنازلات في قطاع الطاقة، تمتد من النفط الخام إلى الغاز، وربما إلى مجالات التنقيب عن المعادن، في إطار اتفاقات طويلة الأمد مقابل تخفيف العقوبات. مثل هذه الخطوات، إن تحققت، قد تقلب موازين السوق في الاتجاه المعاكس، عبر زيادة المعروض والضغط على الأسعار نحو الهبوط.
هنا يكمن القلق الحقيقي: ليس فقط في احتمال الحرب، بل في احتمال التفاهم. فإذا عادت الصادرات الإيرانية بكامل طاقتها، أو جرى تسويق النفط بآليات مقايضة لا تعكس السعر الحقيقي — كما يحدث في بعض التعاملات المرتبطة بالنفط الروسي — فقد نشهد ضغوطاً سعرية جديدة تخفض البرميل بدل أن ترفعه.
الأزمة الحالية، من زاوية أخرى، تصب موقتاً في مصلحة الدول المنتجة في الخليج العربي، إذ يدعم ارتفاع الأسعار موازناتها ويخفف من معدلات العجز، خاصة إذا استقر السعر فوق مستوى 70 دولاراً. غير أن التعويل على التوترات الجيوسياسية كرافعة دائمة للأسعار رهان غير مضمون.
الحكمة الاقتصادية تقتضي استمرار سياسات الاقتراض المدروس عند الحاجة، مع الحفاظ على الاستثمارات السيادية وتنميتها، بدل التفريط في الأصول الإستراتيجية. فالاقتراض ليس عيباً إذا كان يوجَّه لبناء أصول منتجة تعزز الصندوق السيادي الكويتي ويؤمّن مستقبل الأجيال القادمة، وبذلك قد نكون بنينا لهم أصولاً واحتياطاً عالمياً ومثمراً. في حين إن بعض الدول تلجأ إلى الاقتراض لتأسيس أو دعم صناديقها السيادية، مستفيدة من فروق العوائد العالمية.
قد يبقى سعر النفط ضعيفاً لفترات، لكنه لن يبقى كذلك إلى الأبد. ودورة الأسواق تفرض نفسها دائماً بين صعود وهبوط. المهم أن نكون مستعدين لكلا الاتجاهين: نستفيد من ارتفاع الأسعار حين تأتي، ونحتمي بأصول واستثمارات قوية حين تنخفض.
في النهاية، تهديدات الحرب تشعل الأسعار سريعاً، لكن استقرار الأسواق يُبنى على توازن المصالح، لا على وقع التصريحات. وبين التهديد والتفاهم، يبقى النفط رهينة السياسة... إلى أن تحسمها الوقائع على الأرض.
كاتب ومحلل نفطي مستقل
naftikuwaiti@yahoo.com