فيما كانت عيون المنطقة والعالم شاخصةً على نُذُر الحربِ التي تُسابِق طبولُها الفرصةَ - الإنذار الأخيرة التي وجّهتْها واشنطن لطهران لتسويةٍ على قاعدة أن تقدّم «عرضاً لا يمكن رفْضُه»، تطايرت المخاوف من موجة النار الإسرائيلية الأعتى التي هبّت على البقاع اللبناني ليل الجمعة، وتسبّبت بأكبر حصيلة من الضحايا والجرحى منذ اتفاق وقف الأعمال العدائية في 27 نوفمبر العام 2024.
وفي وقت كان دونالد ترامب يكمل الإشارات التي يتعمّد إطلاقَها نحو طهران بأن «للصبر حدود» وأن وقت الاتفاق بشروطه «الآن وليس غداً»، وذلك من خلال إلغاء زيارته المعتادة خلال الويك اند لمنتجعه في مار الا غو و«المرابطة» في البيت الأبيض، بدا أن إسرائيل أطلقت من لبنان ومنطقة البقاع تحديداً «عملية سبّاقة» اعتُبر تبدل في إطار ملاقاة الحرب في الاقليم التي تحتاج إلى «دبلوماسية خارقة» لتفاديها.
فعاصفة الغارات الإسرائيلية على 4 بلدات بقاعية، والتي سَبَقَها استهدافٌ من بوارج حربية لمركز لحركة «حماس» في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في صيدا (الجنوب)، والتي أدت، بحسب وزارة الصحة اللبنانية، إلى «استشهاد 10 مواطنين وإصابة 24 بجروح، وبين الجرحى ثلاثة أطفال»، اعتُبرت جزءاً لا يتجزأ من المناخ الشديد الحراجة في المنطقة ووُضعت في سياق واحد من أمرين أو كليهما معاً:
- إنها من طلائع الحرب على إيران تمهيداً لها وتكريساً من تل أبيب لـ «وحدة النار» بين ساحات محور الممانعة لاسيما مع «حزب الله» في حال انفجرتْ المواجهةُ الكبرى في الإقليم، على قاعدة أن سلاح الحزب سيكون على «خط النار» نفسه وبرسْم استكمال هدف نزْعه بالسرعة التي تريدها إسرائيل وليس على الإيقاع الذي يَعتمده لبنان الرسمي وثبّته أكثر الإطار الزمني الذي حُدِّد لمرحلة شمال الليطاني في مجلس الوزراء ولكن من دون ضبطه على ساعة موقوتة.
- إن الغاراتِ بقاعاً هي بمثابةِ دفْعٍ للحزب إلى وضعية دفاعية تكبّل إمكانات انضمامه إلى الحرب في المنطقة، إذا اشتعلتْ، وذلك عبر «حرب مشاغلة» ‘سرائيلية على طريقة إطباقٍ ناري مبكر يشمل جانباً جديداً من المنظومة القيادية كما الصاروخية التي لإيران «الأمر» فيها أي البالستية التي يُعتبر البقاع «مقراً» رئيسياً لتخزينها وتبقى بمثابة جزءٍ من أي خيارٍ قد تعتمده طهران في حال شعرت بأنها باتت أمام مرحلة «حرب بقاء» تستجرّ سلوكاً على طريقة... وبعدي الطوفان.
غارات البقاع المدمرة
وما عبّر عن هذين البُعدين لغارات البقاع المدمرة التي شملت بلدات النبي شيت ورياق وتمنين وعلي النهري (وإحداها أدت لسقوط عائلة بكاملها)، الآتي:
- إعلان الجيش الإسرائيلي أنه أغار في منطقة بعلبك، الجمعة، «وقضى على عدد كبير من الإرهابيين المنتمين إلى الوحدة الصاروخية في حزب الله وذلك في ثلاثة مقار مختلفة للحزب»، موضحاً أنه «تم رصْد العناصر الارهابية وهم يعملون في الفترة الأخيرة لتسريع مراحل التسلح والجاهزية وخططوا لتنفيذ عمليات إطلاق نحو الأراضي الإسرائيلية والدفع بمخططات إرهابية تهدد قوات جيش الدفاع ومواطني دولة إسرائيل»، ولافتاً إلى «أن الوحدة الصاروخية في حزب الله تتحمل مسؤولية إطلاق القذائف والصواريخ نحو إسرائيل وتعمل في هذه الأيام على التخطيط لشن اعتداءات من هذا النوع».
- ما أوردته صحيفة «معاريف» أنّ الضربات في البقاع استهدفت صواريخ بعيدة المدى تابعة للحزب، وأن الصواريخ كانت مزوّدة برؤوس حربية وكانت معدّة للنشر العملياتي الفوري.
- التقارير عن أن إحدى الغارات في علي النهري والتي سقط فيها القيادي في «حزب الله» حسين محمد ياغي، الذي نعاه الحزب بوصفه «القائد الجهادي»، استهدفته بينما كان في اجتماع مع قادة آخرين قضوا معه وهم حسين النمر، محمد إبراهيم الموسوي وعلي زيد الموسوي، وسط تقارير لم يتم التأكد منها عن أن بين ضحايا الغارات قيادياً في الحرس الثوري الإيراني.
وذُكر أن ياغي «كان يشغل موقعاً تنفيذياً ضمن هيكلية حزب الله في إطار المهام التنظيمية المرتبطة بقيادة الأمانة العامة»، علماً أنه نجل النائب السابق عن الحزب محمد حسين ياغي المعروف باسمه الحركي الحاج أبوسليم ياغي، والذي كان ضمن النواة الأولى لتأسيس الحزب في لبنان، وشغل سابقاً منصب معاون للأمين العام السابق السيد حسن نصرالله.
استهداف عين الحلوة
ولم تقلّ دلالة الغارة التي نُفذت في مخيم عين الحلوة وزعمت إسرائيل انها استهدفت مقر قيادة تابعاً لحركة «حماس» كان ينشط منه عناصر إرهابيون، معلنة «قد نستخدم سلاح البحرية عند الحاجة لقوة نارية إضافية في لبنان أو اليمن».
وقد تم التعاطي مع هذه الضربة التي سقط فيها اثنان من الحركة على أنها في إطار تأكيد أن سحب السلاح شمال الليطاني يشمل بالأهمية الموازية المخيمات و«حماس» خصوصاً.
وفي حين نعت الحركة بلال ديب الخطيب ومحمد طارق الصاوي، موضحة في بيان أن الغارة استهدفت «مقر القوة الأمنية في عين الحلوة»، بدت بيروت أمام الاندفاعة اللاهبة يوم الجمعة وكأنها تقترب من مواجهة حقيقة قاسية خصوصاً إذا زُج لبنان من الحزب أو أُلحق من إسرائيل بحلقة النار الأكبر في الاقليم، وسط توقف أوساط سياسية عند أن هذه الهبة الساخنة تأتي قبل 5 ايام من استئناف اجتماع لجنة الإشراف على تنفيذ اتفاق 27 نوفمبر في 25 فبراير، و4 ايام من اللقاء التحضيري لمؤتمر دعم الجيش اللبناني (تستضيفه باريس في 5 مارس) الذي يُعقد في القاهرة يوم الثلاثاء وسيحدد كيفية تلقف دول الرعاية للوضع اللبناني لخطة سحب السلاح شمال الليطاني برضى أو إيجابية أو «برودة».
وقد دان الرئيس اللبناني جوزف عون بشدة الغارات «التي نفذتها إسرائيل من البر والبحر، مستهدفة منطقة صيدا وبلدات في البقاع»، معتبراً أن «استمرار هذه الاعتداءات يشكّل عملاً عدائياً موصوفاً لإفشال الجهود والمساعي الدبلوماسية التي يقوم بها لبنان مع الدول الشقيقة والصديقة وفي مقدمها الولايات المتحدة لتثبيت الاستقرار ووقف الأعمال العدائية الإسرائيلية ضد لبنان».
وأكد أن «هذه الغارات تمثّل انتهاكاً جديداً لسيادة لبنان وخرقاً واضحاً للالتزامات الدولية، كما تعكس تنكّراً لإرادة المجتمع الدولي، لاسيما قرارات الأمم المتحدة الداعية إلى الالتزام الكامل بالقرار 1701 وتطبيقه بكل مندرجاته».
وجدّد دعوة الدول الراعية للاستقرار في المنطقة إلى «تحمّل مسؤولياتها لوقف الاعتداءات فوراً، والضغط باتجاه احترام القرارات الدولية، بما يحفظ سيادة لبنان وأمنه وسلامة أراضيه ويجنّب المنطقة مزيداً من التصعيد والتوتر».