تتكثف الاستعدادات في بيروت والتحركات في اتجاهها مع العدّ التنازلي للمؤتمر الدولي لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي الذي يُعقد في باريس في 5 مارس المقبل، والذي بات مستوى نجاحه يشكّل معياراً رئيسياً لمدى استعادة «بلاد الأرز» ثقة الخارج بها وتأييد الخارج للسرعة التي اعتُمدت في مسار سحب سلاح «حزب الله» الذي بدأ في سبتمبر الماضي.
وفي الإطار، تسلّم رئيس الجمهورية العماد جوزف عون، الخميس، دعوة رسمية من نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون للمشاركة في ترؤس مؤتمر باريس لدعم القوات المسلحة اللبنانية.
وسلّم الدعوة السفير الفرنسي في بيروت هيرفيه ماغرو، وفيها أكد ماكرون للرئيس عون «ان مشاركتكم الشخصية في هذا المؤتمر ستشكل إشارة سياسية قوية تعكس متانة الروابط التي تجمع فرنسا بلبنان وتَمَسُّكَنا المشترك باستقرار بلدكم والاستعادة الكاملة لسيادته»، موضحاً «ان هدف المؤتمر إعادة التأكيد على الدعم السياسي والمالي والتقني الذي يقدمه المجتمع الدولي لهذه المؤسسات، وحشد دعم دولي منسَّق ومتوقَّع بما يتماشى مع الأولويات المحددة».
وتَشي عبارة «الأولويات المحددة» وفق أوساط سياسية بإصرار المجتمع الدولي على أن يَمْضي ملف حصر السلاح بيد الدولة حتى خواتيمه، وسط إشاراتٍ في اليومين الماضييْن إلى أن الخارج يتفهّم إلى حدّ ما الصيغة التي اعتُمدت في إطلاق مرحلة تفكيك ترسانة «حزب الله» شمال الليطاني (وتحديداً بين نهريْ الليطاني والأولي) والتي اعتُبرت امتداداً لمحاولةِ الحكومة المواءمة بين ضبط هذا الملف على إيقاع سباقٍ محموم مع حربٍ إسرائيلية يحوم شبحها فوق لبنان وبين إبطاء الانزلاق نحو صِدام داخلي في الوقت الذي تقف المنطقة وواقعها الجيو – سياسي أمام تحوّلاتٍ هائلة بـ «تأثير دومينو» متعدّد البُعد وتقع «بلاد الأرز» في مقدّم الساحات المتأثرة به وخصوصاً في حال وقعت المواجهة الكبرى التي تقرع باب إيران.
وكان مؤتمر باريس وخطة شمال الليطاني التي أخذ مجلس الوزراء علماً بها الاثنين وانطوت على «غموض بنّاء» في ما خص المهلة الزمنية وطبيعة المسار - احتواءً أو حَصْراً للسلاح بمعنى السحب - وعلى تحبيذ المؤسسة العسكرية تعاطياً هادئاً في سياق سيْرها بين ألغامٍ ليس أقلها رفض حزب الله التعاون في هذه البقعة، محورَ لقاء بين رئيس الجمهورية وقائد الجيش العماد رودولف هيكل الذي أطلع عون ايضاً على نتائج زيارته للمملكة العربية السعودية «التي اتسمت بالإيجابية» وبحث معه في استعداده للمشاركة في الاجتماع التحضيري (لمؤتمر باريس) الذي تستضيفه القاهرة في 24 الجاري.
«مجموعة الخمس»
وقبيل لقائه رئيس الجمهورية، استقبل هيكل سفراء «مجموعة الخمس» حول لبنان، الأميركي ميشال عيسى، السعودي وليد البخاري، القطري سعود بن عبدالرحمن آل ثاني، المصري علاء موسى، والفرنسي هيرفيه، حيث جرت مناقشة الاستعدادات للاجتماع التحضيري في القاهرة.
وإذ أفادت المعلومات الرسمية عن الاجتماع أن «الحاضرين أكدوا أهمية تعزيز قدرات المؤسسة العسكرية، نظراً إلى دورها في حفظ أمن لبنان واستقراره، وسط المرحلة الحالية الدقيقة»، تم التعاطي مع زيارة السفراء الخمسة في ذاتها على أنها إشارة إيجابية في ما خص الصيغة التي اعتمدها مجلس الوزراء لإقرار المرحلة الثانية لحصر السلاح والتي لا بد أنها كانت محور استفسارات وتوضيحات خلال لقاء هيكل وممثلي «مجموعة الخمس»، على أن يشكل مستوى الدعم الذي سيُعبَّر عنه في مؤتمر باريس المحكّ الفعلي لمدى ثقة الخارج بالتزام لبنان المضي في حصر السلاح والذي صار مفتاحاً لأي إسنادٍ عربي ودولي وازن لـ بلاد الأرز على كل المستويات بما في ذاك على الصعيد المالي وأخواته.
ولم يحجب هذا العنوان على أهميته الأنظار عن تصاعُد الخشية من اشتعال المنطقة وسط تقديراتٍ بأن الساعات الـ 48 المقبلة بالغة الخطورة في ظلّ استعار التهديدات المتبادلة واكتمال ترسانة الحرب التي تشي في حال انفجارها بأنها قد تتجاوز في أيامها وربما أهدافها جولة الـ 12 يوماً في يونيو.
تواصل مع «حزب الله»
وفي السياق، أفيد أن ثمة تواصلاً يحصل مع «حزب الله» عبر قنوات رسمية لمحاولة تحديد خيارات الحزب إذا اندلعت حرب على جبهة إيران والحضّ على إبقاء لبنان بمنأى عنها، وسط توقف دوائر متابعة عند ما أعلنته هيئة البث الإسرائيلية من «أن الجيش في حالة تأهب على الحدود الشمالية خشية تصعيد مع الحزب».
كما نقلت صحيفة «معاريف» عن مصدر عسكري أن «الجيش الإسرائيلي يملك خططاً ضد لبنان منها شن هجوم استباقي وقوي على حزب الله».
الضريبة والانتخابات
وعلى وهج ما يشي بأنه «طلائع حرب» في الإقليم، لم يبرد في بيروت جمر الزيادة الضريبية على البنزين والـ tva لتمويل 6 رواتب إضافية للعاملين في القطاع العام، وسط رَصْدٍ لمسار الغضبة الشعبية التي تسببت بها كما لتأثيرها على استعادة مؤسسات الدولة دينامية العمل والإنتاجية التي شُلت بفعل الإضرابات.
وفي حين قررت الهيئة الادارية لرابطة موظفي الادارة العامة التوقف عن العمل والاضراب حتى يوم الجمعة، متمسكة بمطلب إعطاء 10 رواتب فوراً «ومن دون انتظار إقرار قوانين مجحفة في مجلس النواب، وإعطاء صفائح بنزين إسوةً بغيرها من الأسلاك في الدولة، وحصر الدوام بأربعة أيام عمل من الساعة 8 صباحاً إلى الساعة الثانية بعد الظهر»، فقد أعطى هذا التطور إشارة إلى أن الحكومة ستبقى لفترة «بين ناريْ» القطاع العام الرافض لما قرّرته بوصفه «غير كافٍ» وسائر اللبنانيين المعترضين في غالبيتهم الساحقة على استسهالِ مدّ اليد على جيوبهم وتكرار سياساتٍ لم توصل إلا الى الخراب المالي والمعيشي.
وبات الاحتقان الشعبي والسياسي على خلفية ضريبة البنزين التي بدأت تتسبب ببلبلة على مستوى التسعير في مختلف القطاعات، وبينها النقل، يثير قلقاً من تشابُكه مع ملف الانتخابات النيابية التي تزداد مؤشرات إمكان أن «تحترق» الدعوة الموجهة اليها في 10 مايو المقبل، بـ «نار» الخلاف المستعر حول اقتراع المنتشرين، في أماكن وجودهم في الخارج أو في لبنان، وللنواب الـ 128 كل في دائرته أو لستة نواب يُضافون الى البرلمان، وبـ «استحالات» متقاطعة، وبعضها قانوني، تحكم هذا الخلاف ونقاط أخرى في المسار الانتخابي الذي دهمتْه في الساعات الأخيرة أيضاً مناخاتٌ عن أن المجتمع الدولي يترك للداخل اللبناني التعاطي معه ولم يعد يضع خطاً أحمر أمام إرجائه وربما على قاعدة حسابات تتصل بنتائج حصوله في كنف السلاح.