الجمعة 23 يناير 2026، وقف جاسم بودي أمام قبر والدته، ولاحظ وجود نباتٍ أخضر بين الحصى. صوّر النبات، وبحث عن هذه الظاهرة في وسائل المعرفة التكنولوجية، فأُفيد بأن الخُضرة في هذا المكان ترمز إلى الحياة والرحمة والتجدّد والقبول واستمرار الأثر الطيب وراحة الروح. قرأ الفاتحة، وأمضى وقتاً في الصمت والتأمل، مُستذكراً يوميات العمر، ثم عاد إلى منزله.
ما العلاقة بين ما سبق وبين الموضوع اللاحق؟
جاسم بودي، أو بو مرزوق، أو «الريس» كما يحلو للعاملين في «الراي» مناداته، وصلته النسخة الأولى من كتابه «نصف عمري هناك»، الذي يتضمّن جزءاً من سيرته الشخصية ومسيرته الإعلامية، والأهم قصة بناء مؤسسة «الراي» «طوبة طوبة»، وفق التعبير المصري، ومقالات مختارة تتعلّق بالكويت وضروراتها الداخلية، وعلاقاتها الخارجية، والإصلاح، والإرهاب، والشباب، والمرأة، والمستقبل، وغيرها.
هذه الحكاية – الكتاب – أراد أن يُهدي النسخة الأولى منها إلى روح والدته، مع إهداء كتبه بخطّ الدمع، مفاده: «إلى الأغلى والأكمل والأندر والأجمل. سيدتي وحبيبتي ومُلهمتي وقرّة عيني. كم تمنّيت أن أهديك هذه النسخة وأنا جالس عند قدميك، لكنها إرادة الله ولا اعتراض على إرادته. مثواك الجنة، حبيبتي أم جاسم».
للعلم، في كتاب بو مرزوق فصل مُؤثّر أصرّ على تسميته بـ«الانكسار» وهو فصل يروي قصة علاقته بوالدته وتأثير مرضها وغيابها عليه.
اسم الكتاب «نصف عمري هناك» أراده صاحبه مزيجاً من ولادة صحيفة ومُؤسّسة كصناعة إعلامية، وفي الوقت نفسه يعرض لنخبة من الافتتاحيات المُختارة (وهي اقتربت في هذه المسيرة من الألف افتتاحية تقريباً) تتناول مُختلف الشؤون المحلّية والخارجية.
تعدّدت الفصول والهدف واحد. نصف عمره تقريباً أمضاه في التحضير والتخطيط، ثم التنفيذ، فالانخراط في دورة عمل يومية يشرحها بأسلوب مباشر وسلس. هي تجربة لها ما لها وعليها ما عليها، إنما كان لا بدّ أن تُروى، لا للجسم الإعلامي فحسب، بل في الإطار الإنساني العام أيضاً... مع خصوصية كويتية ساطعة.
وإذا كانت الصحافة مسكونة بالأسرار، فمن أمضى نصف عمره فيها لم يبخل بالكثير مُحتفظاً لنفسه بالقليل. خصوصاً حواراته مع قادة الكويت وبعض المواقف الصعبة... وصولاً إلى أمور يتحدّث عنها للمرة الأولى.
المزج بين فصول الكتاب كان مقصوداً. فلا رواية الانطلاق تستقيم بدون المحتوى المُتعلّق بجاسم بودي شخصياً، ولا الافتتاحيات المُختارة تكفي من دون شرح المسيرة التي تأسّست عليها.
وأيضاً، المزج في الأسلوب كان مقصوداً فهناك أمور يرويها على لسانه، وأخرى تُروى من شهود حضروا هذه الحادثة أو تلك، وثالثة تُروى عن بعض خياراته «ومُختاراته»، ورابعة عن طريقته في العمل وغوصه في موضوع العناوين اللافتة والشكل والإخراج والزوايا التي اختارها لتُعطي صحيفة «الراي» ميزات خاصة. يعترف أن هذه الزاوية مثلاً كان لها أثر سلبي، وأن زاوية أخرى لمعت وحقّقت أعلى نسب قراءة، ويعتزّ بخبر أحدث صدى دولياً، ويكشف سرّ الدمج بين الرصانة في الخبر والتحليل وبين المرونة الجاذبة في عرض بعض القضايا على طريقة التابلويد.
من التحضير والتخطيط وجمع الفريق والتنفيذ والمُعوقات والانفراجات، إلى عملية القلب المفتوح، فمرض والدته ورحيلها، وقصة إنشاء تلفزيون الراي، واللقاء الشهير مع أعضاء في الكونغرس.
من ذلك كلّه، ينتقل إلى فصل الكبار الراحلين. رثاء القادة الكبار من جابر الأحمد إلى نواف الأحمد مروراً بالشيخ سعد العبدالله وروايات خاصة معه، والشيخ صباح الأحمد... ومنه إلى فصل الوفاء: مقالات تكشف البُعد الإنساني للكاتب ولمن كتب عنهم، وتكشف أكثر طبيعة الكويتيّين وتكريسهم لثقافة التلاقي مهما تنوّعت الآراء وابتعدت المسافات.
تتوالى الفصول: الشباب، الإرهاب، المرأة، الإصلاح، الاقتصاد، الإنسان، الفانتازيا، أميركا، العراق... جُلّها قبل فترة لكنها كأنّها كتبت ليومنا هذا.
«نصف عمري هناك» كتاب يقفز إلى واجهة قارئه ذلك الجهد المُرتكز على ذاكرة نشطة. كتاب عن علاقة عاشق إعلامي بمعشوقته الصحيفة، وهي قصة عشق مُستمرّة وستبقى كما قال بو مرزوق شخصياً في مقدمة الكتاب. وإذا كانت «هناك» في اللغة اسم إشارة للبعيد فإن من سيغوص في الفصول سيكتشف أن مسيرة نصف العمر «هنا» وهي اسم إشارة للقريب... لأن كلّ شخص سيجد نفسه قريباً من فقرة ما وسطر ما خصوصاً أبناء مهنة المتاعب.
تمتّعوا بالرحلة.
من المقدمة
كانت فكرة شراء صحيفة نهاية عام 1994 أشبه بمغامرة عند البعض، وخُطوة غير محسوبة النتائج عند البعض الآخر. تزاحمت الأسئلة في زمن مليء بالاستقطاب حول مغزى المشروع وأهدافه، وربط كثيرون بينه وبين أدوار وجهات سياسيّة واقتصاديّة.
فصل الشغف والتحضير
كان يطرح فكرة ويطلب رأياً ومن لا يبدي رأيه يطلبه منه مباشرة. لم يغادر أيّ اجتماع أو لقاء إلا وقد استمع إلى آراء الجميع. كانوا يحاولون «اكتشاف» نواياه بينما هو من كان يكتشف أهدافه ويُسجّل في ذاكرته اسم من يصلح للعمل في مشروعه... وسيتضح لاحقاً أنه أخفى حتى عن فريق العمل الذي رافقه أسماء من اختارهم من لندن. وكان بعض هؤلاء يتندّر: «أعطانا إشارة إلى اليمين فذهبنا إلى اليمين لكنه تركنا وذهب إلى اليسار».
فصل الانطلاق
وبما أن للصحافة عاشقاً فللعناوين أسرار تحت مِظلّة العشق. عناوين الراي قصة تُروى، فمن عايش مرحلة السهر والاستنفار قبل إقفال العدد والركون إلى الراحة في ما تبقّى من ليل، يتذكّر كيف كان جاسم بودي يعتبر العنوان أكثر من نصف الخبر. «هو الواجهة التي تشدّ شخصاً للعبور إلى المُنتج الذي تصنعه فإن كانت الواجهة عادية فلن تستقبل الكثير».
فصل الانكسار
... هناك شيء كسر جاسم بودي. لم يحن ظهره فحسب بل كسره حرفياً وهو أمر لا تعرفه سوى الحلقة الضيقة القريبة منه. من الافتتاحية التي لم يستطع نشرها يوم وفاة والدته صورة من حمله لنعشها: «كاد كتفي ينوء بالحمل بعدما جرف الدمع صور صباحاتي ومساءاتي ولقاءاتنا وأحاديثنا ومناسباتنا، وكادت قدماي المُرتعشتان تتوقّفان عن السير. فعلاً، يا أغلى الناس، اليتم ليس غياب من نُحب بل الانكسار في ذواتنا... وأنا يتيم ومكسور».
فصل الكبار... الراحلين
عن المغفور له الراحل الشيخ جابر الأحمد: كيف تكتب عن تلك القامة التاريخية التي سبقهـــا حضور المهابة، عن التعب الذي أودعناه إياه فــهدّ عافيته ولم يضعف عزيمته على الاستمرار والعطاء...
عن المغفور له الراحل الشيخ سعد العبدالله: يوم اشتدّ عليك المرض ودفعت من صحتك ثمن التزامك هموم الكويت، زحف الرجاء على أدعيتنا لله القدير بأن يمنّ عليك بالشفاء، صار الاطمئنان عليك جزءاً من نهاراتنا، رافضين أن نصدّق أن الطود يستكين وأن الفارس يترجّل.
عن المغفور له الشيخ صباح الأحمد: لأيام، لأسابيع، لأشهر، لسنوات، ستفتقد الكويت صباحاتها برحيل صباح. يغيب الدفء عنها. يُشكّل الحزن غيمة تحجز خيوط الشمس عن ملامسة التراب ويتحوّل الدمع كفناً يحتضن قامة الرجل إلى مثواه.
عن المغفور له الشيخ نواف الأحمد: نظيف اليد مرفوع الجبين عشت... ورحلت... آمنا رحلت، على بساط الإيمان والحق. حكمت... فعدلت. لم يكن الحق كلمة في عباراتك فحسب بل هو نهج حياة ارتضيته ولم تحدْ عنه.
فصل الوفاء
لم يكتب رئيس تحرير في الكويت عن الإصلاح السياسي والاجتماعي بقدر ما كتب جاسم بودي، لكن ذلك كُلّه لم يثنه عن تثبيت ومضات إنسانية عنوانها الوفاء خصوصاً إذا تعلّق الأمر برجالات الكويت الذين رحلوا. وكانت مقالاته عدا عن استذكار أحبّة أشبه بتوثيق سير حياة هؤلاء... تماماً كما هي صفحة «Obituaries»المشهورة في الصحف البريطانية.
فصل حقل برقان
دارت سجالات متعددة الاتجاهات حول لقاء جاسم بودي مع أعضاء كونغرس أميركيين عام 2006 تحدّث فيه عن شؤون محلية وإقليمية وعن رؤية للمُستقبل والخُطوات الواجب اتخاذها للوصول إلى غدٍ مختلف. في الكتاب تحدّث بو مرزوق عن القصة من ألفها إلى يائها.
فصل التلفزيون
حمل جاسم بودي ترخيص التلفزيون إلى الراحل الأمير صباح الأحمد وقال له:«طويل العمر لا أريد أن أبثّ من خارج الكويت بل من الكويت. الزمن تغيّر وها هي الدول الشقيقة تُعطي التراخيص بساعة طبعاً مع الاشتراطات المطلوبة، وهذا الترخيص موجود». رد عليه:«الديرة أولى وأنت ما تطلع بالتلفزيون من دولة تانية».
فصل الشباب
احترام الشباب من قبل المُرشحين لا يكون بالوعود الفارغة التي ملّوا سماعها بل باحترام آرائهم الواردة في ميثاقهم. يبقى أن على الشباب أن يتوقّفوا أيضاً عند كلّ ما حصل في الأشهر الماضية ليستخلصوا درساً كبيراً يكشف كم أنّ السياسة أقرب إلى المصالح من المبادئ، وكم هي الكويت بحاجة ماسة إلى شباب... وتغيير.
فصل الإنسان
«اسمه أحمد... عنوانه الكويت». كان على ناصية الطريق يحاول درء البرد عنه بسترة قديمة. يرتجف كعصفور تبلّل بالماء أو كطريد هارب من العدالة. الحزن في عينيه، مساحات قهر وأسى يُحاول عبثاً تغطيتها بابتسامة خجولة أقرب إلى الخوف من السعادة والفرح اللذين نسيهما لكثرة الفراق.
فصل الوحدة الوطنية
الطائفية تدل على التمييز بمعناها الضيق لا التمييز الكبير المستدل من كلمة أمة، الطائفة هنا ليست المذهب بالمعنى الحرفي للكلمة بل الجماعة في إطار مجموعة كبيرة أو جزء منها، والطائفي هو من يلتزم أفكار هذه الجماعة مع عصبية وتزمّت تتدرّج إلى إنكار حقوق الجماعات الأخرى واعتبارها «خصماً» أو «خطأً تاريخياً» ينبغي تصحيحه أو «انحرافاً عقائدياً» يجب مُحاربته.
فصل الإصلاح
ونحن في زمن التحوّلات الكبرى داخليّاً وخارجيّاً، أقول إن ما نحتاجه اليوم ليس تعديلاً دستورياً بل دستوراً عصرياً جديداً لكويت جديدة. دستور يحفظ للحكم مقامه ووقاره وموقعه وكيفية تداول السلطة من داخل بيت الحكم ووفق آلياته الخاصة من دون تدخّل من أحد. دستور يرسم الحدود بوضوح بين السلطات.
فصل الفانتازيا
500 نوع من الطيور مُحلّقة من الجنوب إلى الشمال استقرّت في بوبيان. اختارت جزيرة كويتية لتعقد مؤتمرها السنوي مُستعرضة أجنحتها ومناقيرها أمام الكاميرات بكل شفافية فلا شيء لديها لتخفيه ولا أسرار ولا قرارات مُعلنة وأخرى مُبطّنة. مُؤتمر في الهواء الطلق تحت أشعة الشمس الحارقة فالليل للنوم والنهار للعمل... ولنتخيّل أنها حطّت وفي بالها التفكير بالاستقرار في هذا المكان.
فصل الاقتصاد
هبوط أسعار النفط ما كان ليحدث كلّ هذا الهلع لو كان جسم الدولة رياضياً ورشيقاً وقادراً على الحركة والتقدّم. تعاقبت الحكومات ومعها البرلمانات على إبقاء هذا الجسم في غرف العناية تحت حُجّة أنها غرف «خمس نجوم»، مارس وزراء ونواب ومديرون ومسؤولون كلّ ما من شأنه إتعاب هذا الجسم بالغذاء الخطأ والمُمارسات الخطأ والسلوكيات الخطأ والدواء الخطأ والعلاج الخطأ والحلول الخطأ.
فصل المرأة
ماذا يحصل في الكويت؟ أو بالأحرى: هل نحن في الكويت؟ يأتي جاهل وقاصر ومُنغلق ومحدود ليحدّد لنا كيف نُربّي بناتنا وكيف نُعلمهنّ أن الرياضة حرام وأنها تُصبح حلالاً إذا فرضوا عليهنّ مجموعة شروط تبدأ بالثياب وتنتهي بكبت الفرح في حال الفوز.
فصل الإرهاب
الحرب لا تبدأ مع طلقة الرصاص بل أحياناً يكون الرصاص نهايتها التي تنقل المجتمع والدولة من حالة إلى أخرى. الحرب تبدأ مع تكبير صغائر الأمور غير المجمع عليها وتصغير حالات الإجماع الكبرى بهدف خلق فرقة وانقسام. هنا نجد كتائب رجال الدين المُتطرّفين تتقدّم الصفوف، ونجد السياسيين التافهين المُنغلقين العاجزين عن الخروج إلى الشمس والنور يتصدّرون الأخبار لأن الزعيق يجلب صدى أكبر، ونجد المُحبَطين البائسين البسطاء مغسولي الأدمغة يُشكّلون الجمهور العريض لرجال الدين والسياسيين.
فصل العراق
ارفعوا الحصار عن شعب العراق. أعلن صدام حسين انتصاره فوق انكسار العراقيين، ورغم أنه وقّع على كلّ بنود الاستسلام إثر غزوه الغادر، إلا أنه اعتبر بقاءه في السلطة هو الفوز المبين. بين عقوبات يستخدمها النظام لتجويع شعبه ومُحاصرته، وإطلاق يده في القمع والقهر، وبين عقوبات ضد النظام مُباشرة تنتصر للعراقيين... نقـول إنّنا مــع الخيار الثاني، بشرط أن يحترم العالم تعهّداته فلا يُوظّف المبادئ مُجدّداً في خدمة المصالح. الدم العراقي أغلى من البترول العراقي.
الفصل الأميركي
صباح الخير يا أميركا... لا نريد لأمتك العظيمة أن تعيش على تقويم 11 سبتمبر، فصباح ذلك اليوم كان شراً لك ولكلّ دول العالم وللعرب والمسلمين بالتحديد. نريد صباحات جديدة تبدأ شمسها من إدارتك، فيتوحّد خطابها ويسمو ويرتقي على سياسة المعايير المُختلفة في اتجاه عادل أكثر، حتى نستطيع أن نُواجه، نحن أصحاب البيت، الظواهر الشاذّة التي تشعل النار عندنا وتستقطب النار من الخارج بدل... الماء. صباح الخير يا أميركا، رحم الله جميع الأبرياء وأبقى شعلة الحرية مُتوهّجة فوق تِمْثالِها.