أصبح العالم في تغير مستمر وعجيب، وزمن تصفيف الكلام والشعارات قد يكون انتهى في عصرنا الحالي، وهذا حتى في الصراعات والمطالبات وربما النزاعات بين بعض الدول. فالدبلوماسية التي نشأت لإدارة الخلافات ومحاولة الحصول على هدف سياسي أو إستراتيجي بأهدأ طريقة أصبحت اليوم في كثير من الحالات أداة مكشوفة وصراحة غريبة لتحقيق الهيمنة دون اكتراث حقيقي بالمواثيق والأعراف الدبلوماسية التي حكمت العلاقات على الأقل ظاهرياً بين الدول لعقود.

وكذلك تراجعت لغة الاحترام المتبادل لصالح خطاب مباشر متعلق بالمصلحة بلا قناع لتصبح السياسة الخارجية مفاوضة وكأنها صفقة ربح وخسارة، ويُنظر إلى الدول الأضعف باعتبارها فرصاً للكسب وربما الاستغلال دون اكتراث لتعايش ضمن الأمم المتحدة! ومن يمارس هذا التسلط هل يعتبر نفسه دبلوماسياً أو (جمبازياً) ؟! وهنا لا أقصد لعبة الجمباز بل الكلمة تعني باللهجة العامية دون تنطع الشخص المحتال، لذا، فإن الخداع السياسي أصبح مكشوفاً ومباشراً وكان يختبئ في السابق بمفردات مثل (الشراكة الإستراتيجية) و(الدعم المتبادل) لإخفاء نوايا السيطرة أو الاستحواذ على الموارد والمواقع الجيوسياسية الحساسة أو الأهداف التوسعية في مبادرات اقتصادية أو أمنية، بينما الهدف الحقيقي هو توسيع النفوذ السياسي والاقتصادي وتقليص هامش استقلال القرار لدى الطرف الأضعف.

وهناك مثال حي وهو اعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو، والمثال الأخطر هو الطروحات (الترامبية) إن جاز التعبير والتي تعاملت مع «غرينلاند» التابعة للدنمارك كأرض قابلة للشراء وترى في الجغرافيا والأرض سلعة، أما التاريخ والهوية والسيادة فإنها تفاصيل ثانوية يمكن تجاوزها بالقوة العسكرية أو الضغط!

والأخطر في هذا النمط أنه لا يهدد الدول الصغيرة أو الضعيفة وحدها بل يقوّض أسس النظام الدولي نفسه بتعقيدات وتشعبات المنظمات الدولية وما أكثرها، وهي لم تفد في حال غزة وتعرضها للعدوان الممنهج والمستمر من الكيان الصهيوني.

فعندما تفقد الاتفاقيات معناها الأخلاقي وتتحول إلى أدوات مرحلية للمناورة والاستحواذ يصبح الالتزام بالقانون الدولي مسألة انتقائية ويصبح الاستقرار العالمي وسيلة لمزاج ومصلحة القوى الكبرى، ومع تآكل الثقة بين الدول وتلك الثقة متآكلة أصلاً وبذلك تتراجع فرص الحلول السلمية، ويزداد الاعتماد على القوة الاقتصادية والعسكرية والتوازنات الكبرى كوسائل تفاوض بديلة وواقعية. ويمكن الوصف للمرحلة الحالية بدبلوماسية فرض الإرادة بالقوة وهي تؤدي بالطبع إلى زرع بذور صراعات مستقبلية قد تتجاوز في كلفتها كل ما تحققه هذه السياسات من أرباح موقتة في المدى القريب كما يتصور من يستخدمها.

والخلاصة فإن إعادة الاعتبار للدبلوماسية والمواثيق الدولية كقيمة أخلاقية قبل أن تكون أداة سياسية ضرورة لحماية عالم يزداد هشاشة، وكل فترة ومكان تطلع أزمة وحرب وصراع ونقول (صح النوم) لمجلس الأمن والأمم المتحدة!... والله عز وجل المعين.

X @Alsadhankw