في واحدة من أكثر القصص إثارة في تاريخ الشركات الناشئة المعاصر، تحولت شركة وي وورك (WeWork) من أيقونة عالمية لمستقبل العمل والابتكار العقاري إلى رمز للفشل الإداري والمالي.

فبين صعود صاروخي أوصل قيمتها السوقية إلى 47 مليار دولار، وانهيار درامي انتهى بطلب الحماية من الإفلاس، تبرز قصة «وي وورك» كدرس قاسٍ لكل من المستثمرين ورواد الأعمال على حدٍ سواء.

وفي هذا الخصوص أفادت مجلة فوربس في تقرير مفصل تتبع الجدول الزمني للشركة، أن «وي وورك» التي تأسست 2010 على يد آدم نيومان وميغيل مكيلفي، لم تكن مجرد شركة لتأجير المكاتب، بل سُوّقت كحركة اجتماعية تهدف إلى رفع مستوى الوعي العالمي، مضيفة أن هذا الطموح الجامح جذب استثمارات ضخمة، أبرزها من «سوفت بنك» الياباني بقيادة ماسايوشي سون، الذي ضخ مليارات الدولارات في الشركة، مؤمناً بقدرتها على تعطيل قطاع العقارات التقليدي.

واستعرضت «فوربس» كيف وصل تقييم الشركة أوائل 2019 إلى ذروته عند 47 مليار دولار، ما جعلها أغلى شركة ناشئة في الولايات المتحدة آنذاك، لكن سرعان ما بدأت الغيوم تتلبد في الأفق مع محاولة الشركة الطرح العام الأولي (IPO) في أغسطس 2019.

وبمجرد الكشف عن نشرة الاكتتاب، بدأت التساؤلات تنهال من كل حدب وصوب. وأشارت «فوربس» إلى أن المستثمرين صُدموا من حجم الخسائر الفادحة التي بلغت 1.9 مليار عام 2018 وحده، إضافة إلى هيكل الحوكمة المثير للجدل الذي منح المؤسس آدم نيومان سيطرة شبه مطلقة، وتضاربت المصالح الشخصية مع مصلحة الشركة بشكل لافت.

وأدى هذا الضغط إلى إلغاء الطرح العام واستقالة نيومان، لتبدأ الشركة رحلة طويلة من محاولات الإنقاذ التي قادها «سوفت بنك». ورغم نجاح الشركة أخيراً في الإدراج بالبورصة عبر الاندماج مع شركة ذات غرض خاص (SPAC) عام 2021 بتقييم أقل بكثير حوالي 9 مليارات دولار، إلا أن التحديات كانت أكبر من أن تُحتوى.

وجاءت جائحة كورونا لتلقي بظلالها على نموذج العمل القائم على تأجير المساحات المشتركة، حيث أصبح العمل عن بُعد القاعدة، ما أدى إلى تراجع الطلب وتراكم الديون الإيجارية الطويلة الأمد.

دروس مستفادة

واستناداً إلى تحليل «فوربس» لمسيرة الشركة، يمكن استخلاص دروس جوهرية تعتبر بمثابة خارطة طريق لتجنب السقوط في الأفخاخ التي وقعت فيها «وي وورك»:

الحوكمة والرقابة:

أثبتت تجربة «وي وورك» أن منح صلاحيات مطلقة للمؤسس دون وجود مجلس إدارة قوي ومستقل وصفة للكارثة. فغياب الشفافية في التعاملات المالية لنيومان كان من أكبر أسباب فقدان الثقة.

«النمو بأي ثمن»:

اعتمدت الشركة إستراتيجية التوسع السريع دون التركيز على الربحية، معتمدة على التدفقات المالية من المستثمرين، والدرس هنا أن التقييمات المبالغ فيها لا تعني بالضرورة نجاح نموذج العمل إذا كانت الشركة تحرق الأموال بمعدلات غير مسبوقة.

الواقعية في تصنيف النشاط:

كانت «وي وورك» تسوّق نفسها كشركة تقنية للحصول على تقييمات مضاعفة، بينما في الواقع شركة عقارية تقليدية تواجه مخاطر عقود الإيجار طويلة الأجل مقابل إيرادات قصيرة الأجل. الصدق مع الذات ومع السوق بشأن طبيعة العمل هو مفتاح الاستدامة.

الاستجابة لمتغيرات السوق

واجهت الشركة صعوبة في التكيف مع عالم ما بعد الجائحة. المرونة ليست فقط في المساحات المكتبية، بل في القدرة على تغيير استراتيجية العمل لمواكبة التحولات الجذرية في سلوك المستهلك.

أسواق المال

ستعود إلى الأساسيات

حسب التقرير تبقى قصة «وي وورك» كما استعرضتها «فوربس»، تذكرة بأن الأسواق المالية، مهما بلغت درجة حماستها، ستعود في النهاية إلى الأساسيات: الربحية، الحوكمة، والنمو المنطقي.

وأضاف:«انتهت ملحمة الـ 47 مليار دولار بطلب الحماية من الإفلاس، لكن صداها سيظل يتردد لسنوات في أروقة الشركات الناشئة حول العالم».