بعد سلسلة الإصلاحات الجذرية التي تشهدها الكويت وغير المسبوقة... أعتقد البعض أن الكويت حبسها التاريخ وتعثرت في مسارها بحيث توقف عندها الزمن؟ ولم تستوعب التنوّع؟ ولم تستثمر الاختلاف؟ ومازالت تراوح مكانها!
وباختصار، أقول بأن الكويت انعتقت من مزالق وتراكمات الماضي، الأمر الذي لم يعجب البعض فراح يُطلق الكلام على عواهنه بعبارات مرسلة تفتقر إلى الأدلة والبراهين لإثبات واقعيتها من عدمه... وهذا على ما يبدو ما قد عجزوا عنه؟ والحقيقة التي لا جدال فيها أن الكويت قد تفلّتت من أوهام السياسة وغوغائيتها وخرافاتها، ولا شك أن الوعي اليوم والجو العام في البلد قد تطور وأدرك معنى نكث العهد (والحنث بالقسم النيابي) وأصبح يفرق بين سباق المصالح المحموم وبين الصالح العام الذي ترعاه القيادة السياسية...
وأقول بأن النهضة التي يتمناها الجميع... تتطلب بأن نكون على خطى الذين بنوا السور الأول والثاني والثالث. ونتساءل أين الأخلاق الشرقية الأصيلة؟ وأين المزاج العقلي في التعليم وحب التعلم وأين روح مجلس المعارف الأول؟... وها نحن اليوم نعيش (المنزلة بين المنزلتين) في روح لا شرقية ولا غربية ثم أين هم الدكاترة والمستشارون والخبراء والعمال العاملون المصلحون الذين لا يُساومون بمنصب ولا يطالبون بالإصلاح غرضاً من أغراض الدنيا أو باطلاً من زخرفها؟ وخذ مثلاً على ذلك كم واحد يبصم في الدوام ويرجع بيتهم ينام!
فضلاً عن مفاسد أوروبا وما تبثه بعض وسائل الإعلام كلها تنصبُّ اليوم في أخلاق بعض الشباب فعكّرت صفوه، فلا الدين بقي فينا أخلاقاً ولا الأخلاق بقيت فينا ديناً، وأخذ الحمقىٰ والمنحرفون منا يحاولون في إعلامهم أن يؤلفوا الأمة على خُلُق هجين وهم يعلمون تماماً ان الخلق الطارئ لا يرسخ إلا بمقدار ما يفسد من الأخلاق الراسخة... ولست أقول بأن نهضة الكويت اليوم لا أساس لها فإن لها أساساً من حمية الشباب الواعد وعلم المتعلمين من حملة الشهادات العليا... ولا يكفي هذا لأن يكون أساساً وطيداً يقوم عليه البناء وخاصةً بعد مرور ستة عقود توقفت فيها عجلة التنمية والاستثمار البشري... بل ما أسرعه إلى الهدم والنقض لو صدمته الأساليب اللينة من دعاة الأحزاب المتفيقهين بلسانهم...
والذي أراه ان الكويت تقوم على أساس وطيد إذا نهض بها الركنان الخالدان الدين الإسلامي الصحيح وكيف حث على إتقان العمل وتجليات الجانب الإنساني فيه... ومن عجائب الدنيا تاريخياً ان قمة الحضارة الرفيعة هي بعينها مبدأ سقوط الأمم وهذا عندنا هو السر في ان الدين الإسلامي يكره لأهله أنواع الترف والمغالاة في بعض الفنون وما هي إلا من المكروهات... إذا كانت هذه الفنون في الغالب وفي الطبيعة الإنسانية هي التي تؤدي في نهايتها إلى سقوط أخلاق الأمة - كما سقطت روما - بعدما كانت كل الطرق تؤدي إليها؟
وإذا نحن نبذنا الخمور والفجور والقمار والتزوير والنفاق، وإذا منعنا من التخنث والتبرج والاستهتار بالمنكرات والمبالغة في المجون والازياء والسخف واستبدلناها بأسباب القوة واسطعنا الأخلاق المتينة (أخلاق أهل الكويت قديماً) من الإرادة والحزم والإقدام والتضحية... نكون قد جعلنا لنا صبغة خاصة تميزنا عمن سوانا فلعمري أي خير في هذا كله؟
... والفرق بعيد بين الأخذ بالمخترعات والعلوم وبين الأخذ من زخرف المدنية وأهواء النفس وفنون الخيال ورونق الخُبث الديمقراطي!
ولنتذكر جميعاً ان الشرق شرق والغرب غرب... وما أرى هذه الكلمة تصدق إلا في هذا المعنى الذي نحن بصدده... والقوم في نصف الأرض ونحن في نصفها الآخر ولهم مزاج وإقليم وطبيعة وميراث من كل ذلك ولنا ما يتفق ولا يختلف عنهم وأول الأدلة على استقلالنا أن ننسلخ من عادات القوم.
وهنا وهنا فقط نكون قد دخلنا التاريخ من أوسع أبوابه فليست المشكلة في التاريخ ذاته!