بدأت السلطات السورية، نقل مقاتلين أكراد من الشيخ مقصود، وهو آخر حيّ تحصنوا فيه في مدينة حلب، نحو مناطق الإدارة الذاتية الكردية، بعدما أعلن الجيش وقف عملياته، في خطوة سرعان ما نفتها «قوات سوريا الديمقراطية»، مؤكدة استمرار المعارك المتواصلة منذ أيام، في حين أكد المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برّاك، أن واشنطن تريد حواراً بناءً يدفع «قسد» لاندماج شامل ومسؤول في الدولة.

واندلعت اشتباكات عنيفة بين القوات الكردية والحكومية، منذ الثلاثاء، في حيي الشيخ مقصود والأشرفية الكرديين في حلب، تبادل الطرفان الاتهامات بإشعالها، وأدّت إلى نزوح 155 ألف شخص من الحيين، بحسب محافظ حلب عزام الغريب، وإلى سقوط عشرات القتلى والجرحى.

ومساء السبت، أعلن التلفزيون الرسمي السوري «نقل مقاتلين من تنظيم قسد أعلنوا استسلامهم في مستشفى ياسين بالحافلات إلى مدينة الطبقة بإشراف وزارة الداخلية»، وذلك بعيد إعلان الجيش «وقف جميع العمليات العسكرية» واستعداده لترحيل المقاتلين الأكراد المتحصنين في الحيّ و«سحب أسلحتهم».

وشاهد مراسل «فرانس برس» عند مدخل الشيخ مقصود أربع حافلات على الأقلّ تقلّ مقاتلين، تخرج من الحي بمواكبة قوات الأمن، بينما تحدثت تقارير عن خروج عشرات العناصر من «قسد».

وتراجعت وتيرة الاشتباكات مساء، بعدما شهد الحيّ معارك عنيفة خلال النهار رغم إعلان الجيش استكمال عملية أمنية بدأت ليل الجمعة - السبت. وأفاد مراسل «فرانس برس» على مشارف الشيخ مقصود عن سماع أصوات إطلاق رصاص متقطعة من الحي بعد إعلان الجيش، بينما غادره عشرات المدنيين الذين كانوا عالقين جراء المعارك.

وافترشت عائلات الأرض عند مدخل حيّ الشيخ مقصود بعدما علقت داخله لأيام وأخرجت برفقة القوات الأمنية استعدادا لنقلها إلى مراكز إيواء. وأجهشت نساء وأطفال بالبكاء بينما نادت طفلة باكية والدها مراراً.

نفي كردي

من جهتها، نفت القوات الكردية من جهتها، سيطرة القوات الحكومية على حيّ الشيخ مقصود ووقف العمليات العسكرية.

وذكرت في بيان أن قواتها ما زالت تتصدّى لـ«هجوم عنيف».

وذكرت مصادر أمنية أن الهجمات الحكومية كانت مدعومة بطائرات مسيرة تركية، لكن مصدراً أمنياً تركياً نفى ذلك، وقال إن العملية «اكتملت إلى حد كبير، ولم تكن ‌هناك حاجة» للدعم التركي.

وقالت ثلاثة مصادر أمنية ​لـ«رويترز» إن بعض المقاتلين الأكراد، بما في ذلك بعض من قادتهم ‌وأفراد عائلاتهم، ‌نُقلوا ‌سراً من ​حلب ‌ليل الجمعة - السبت إلى شمال شرقي سوريا.

وأضافت أن نحو 300 مقاتل كردي اختاروا البقاء في حي الشيخ ‌مقصود للقتال.

ونقلت «وكالة سانا للأنباء» عن مصدر عسكري ان عنصرين من «قسد» قاما بتفجير نفسيهما في حي الشيخ، من دون وقوع إصابات.

وكشف مصدر عن «أسر الجيش السوري عناصر من فلول وشبيحة النظام السابق، بينهم قيادي رفيع المستوى، كانوا يقاتلون مع ميليشيا (قسد) في حي الشيخ مقصود».

كما تمت «مصادرة كميات كبيرة من الأسلحة الثقيلة والمتوسطة وكميات كبيرة من الذخائر والأسلحة الخفيفة والعبوات المعدة للتفجير».

وشهدت حلب، ثاني كبرى مدن سوريا، هدوءاً موقتاً صباح الجمعة بعدما أعلنت وزارة الدفاع وقف النار، وأمهلت المقاتلين الأكراد لإخلاء الحيين. لكن الاشتباكات استؤنفت ليلاً بعد رفض القوات الكردية المغادرة.

وأعلنت القوات الحكومية الجمعة دخولها إلى حيّ الأشرفية الذي كان تحت سيطرة القوات الكردية.

وأفادت «سانا» نقلاً عن مسؤول إعلامي في مديرية الصحة بمدينة حلب، بارتفاع ضحايا استهداف تنظيم «قسد» أحياء سكنية منذ الثلاثاء إلى 23 مدنياً والإصابات إلى 104.

وذكرت ان من بين القتلى طفلاً و4 نساء بالإضافة إلى حالة قنص لطالب طب، مشيرة إلى أن معظم المصابين من النساء والأطفال.

سلاح المُسيّرات

وأعلن الجيش السوري ان «قسد تدخل مرحلة تصعيد جديدة باستهدافها مدينة حلب ومؤسساتها بأكثر من 10 مسيرات»، مشيراً إلى وقوع إصابات وخسائر كبيرة في الممتلكات.

وأكد أن «المراحل اللاحقة من الرد على قسد ستكون في الزمان والمكان المناسبين».

وقال مراسل «الجزيرة» في حلب إن طائرة مسيرة استهدفت مبنى محافظة حلب وسط المدينة، الذي عقد فيه مؤتمر وزيري الإعلام والشؤون الاجتماعية ومحافظ حلب.

وفي وقت سابق، ذكر مصدر أمني لـ «الجزيرة» أن مسيرات تابعة لقوات «قسد»، تحلق في سماء حلب، بينما أعلنت «قسد» انها تؤكد بشكل قاطع أن قواتها لم تستهدف أي منطقة مدنية في حلب.

وأكدت وزارة الخارجية السورية، أن الحكومة نفذت «عملية محددة» في حيي الشيخ مقصود والأشرفية لاستعادة النظام وحماية المدنيين، ولم يكن الهدف استهداف الأكراد كعرقية.

ونفت في بيان أن يكون الهدف استهداف المجتمع الكردي في الحيين، الذي وصفه البيان بأنه يعتبر «جزءاً من النسيج الاجتماعي لحلب».

ولفت البيان إلى أن الدولة فتحت ممرات إنسانية آمنة بالتعاون مع المنظمات الإنسانية وستبدأ بإزالة مخلفات المتفجرات تمهيداً لعودة الحياة المدنية إلى طبيعتها.

بدوره، أكد محافظ حلب، استمرار حظر التجوال في المناطق التي أعلنت عنها هيئة العمليات إلى حين صدور تعاميم لاحقة.

وعلّقت السلطات الرحلات في مطار حلب حتى وقت متقدم من يوم السبت.

ومن شأن سيطرة الجيش على حي الشيخ مقصود ‍ أن تنهي سيطرة الأكراد على جيوب في حلب تسيطر عليها قواتهم منذ اندلاع الحرب في سوريا عام 2011. ولا تزال القوات الكردية تسيطر على أجزاء كبيرة من شمال شرقي سوريا، حيث تدير منطقة شبه مستقلة.

باراك والشرع

من جانبه، قال براك إن الاشتباكات «تثير قلقاً بالغاً» وتُهدد اتفاق الدمج ​الموقع في مارس 2025 بين الحكومة و«قسد».

وأضاف عقب لقائه الرئيس ​السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني «نحث جميع ‌الأطراف على ضبط النفس إلى أقصى درجة ووقف الأعمال القتالية على الفور والعودة إلى الحوار».

وأكد أن فريق ‍وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو على استعداد لتيسير التواصل بين الجانبين للمضي قدما في عملية الدمج.

كما أكد باراك ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، في بيان «التزام المملكة والولايات المتحدة دعم الجهود الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار، والانسحاب السلمي لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) من حلب، وضمان أمن وسلامة جميع المدنيين».

في السياق، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، إن الوضع القائم في حلب «سينتهي تماماً قريباً»، ولن يكون هناك «تنظيم موازٍ».