ثمّة أممٌ تتعثّر في مسارها، وأخرى تتباطأ، لكنّ الأخطر هو أن تُحبس أمّةٌ كاملة داخل لحظةٍ تاريخيةٍ واحدة، لا تتقدّم عنها ولا تعود لتفهمها. أمةٌ تُدار بعقل الأمس، وتُحاكم الحاضر بأدوات الماضي.

ليست المشكلة في التاريخ ذاته؛ فالتاريخ ذاكرة الأمم وضميرها الجمعي. غير أنّ المأساة تبدأ حين يتحوّل التاريخ من خبرةٍ تُستوعَب إلى قيدٍ يُقدَّس، ومن مرآةٍ للفهم إلى سجنٍ للفكر. عندها يُعاد إنتاج الأسئلة ذاتها، وتُستنسخ الصراعات نفسها، وكأن الزمن لم يتحرّك خطوة واحدة. وشاهدنا في أمتنا العربية والإسلامية مَنْ يستحضرون الماضي وصراعاته ليعيدوا إحياءَ البغضاء والكراهية بين شعوبهم، وبالطبع هذا الاستحضار لا يراد منه تجنب الأخطاء بل السيطرة السياسية وكسب الأنصار.

إن أمّة حبسها التاريخ تُكثر من نبش قبور الفتن وإحيائها، لكنها تعجز عن إنتاج خلفٍ جدير بالزمن. ترفع شعارات طواها التاريخ، بينما تعيش حاضراً هشّاً لا يقوى على المنافسة، تتغنى بأمجاد أسلاف قادوا أمتنا إلى المجد حينها، لكنها تتجنّب مواجهة هزائمها الحديثة، لأن الاعتراف بها يتطلّب شجاعةً فكرية قبل أي إصلاحٍ سياسي.

في مثل هذه الأمم، يُنظر إلى النقد اليوم بوصفه خيانة، وإلى السؤال باعتباره تمرّداً، وإلى الاختلاف كتهديدٍ للوحدة. تُستبدل حركة العقل بنصوصٍ مجتزأة، ونُختزل في قالبٍ واحد، وكأن التنوع ضعف لا ثراء. وهكذا يُربّى الفرد على الطاعة لا على التفكير، وعلى التلقّي لا على الإبداع.

وحين يُحبس الحاضر داخل الماضي، يُصاب المستقبل بالعقم. تتراكم الأزمات: تعليمٌ يعتمد على ثقافة اجنبية لا تحترم هويتنا ولا لغتنا، اقتصادٌ تابع عديم الإبداع حرمنا فيه من قادة اقتصاديين ينافسون في الصناعة والزراعة، وسياسةٌ تدور في حلقةٍ مفرغة، كل محاولة للنهوض تُواجَه بتراكمات وخلافات يتم استدعائها لاهداف سياسية او طائفية من اجل استمرار إبقاء قيودنا في زنزانة الماضي.

إن التاريخ لا يرحم مَنْ يتوقّف عنده. الأمم التي نهضت لم تفعل ذلك بقطع صلتها بماضيها، بل بفهمه وتجاوزه. قرأت تاريخها قراءةً نقدية، فأبقت منه ما يصلح، وتخلّت عمّا أعاقها. أدركت أن الوفاء الحقيقي للأسلاف ليس في تكرارهم، بل في استكمال ما لم يستكملوه.

الخروج من سجن التاريخ يبدأ بتحرير العقل، تحريره بثقافة تعلّم السؤال لا الحفظ، ثقافةٌ تحتفي بالاختلاف كما تحتفي بعودة المقاصد إلى مركز الاهتمام لا القوالب الجامدة.

إن أمّةً حبسها التاريخ ليست محكوماً عليها بالزوال، لكنها مهدّدة بالتيه، والخيار لايزال قائماً: إمّا أن نجعل التاريخ جسراً نعبر به إلى المستقبل، أو نتركه قيداً يغلّ الأقدام، وأفضل ختام لهذا المقال هو التذكير بقول خالقنا عز وجل (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ).