أشعل عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام الإيراني محمد باهنر، عاصفةً من الجدل السياسي بعدما أعلن في مناظرة عبر برنامج «بودكاست»، أن النظام أنهى رسمياً سياسة «الحجاب الإلزامي»، في تصريح وُصف بأنه الأكثر جرأة منذ عقود على إحدى ركائز الجمهورية الإسلامية.

وفجّر هذا الإعلان سجالاً واسعاً، وأعاد ملف «قانون العفاف والحجاب» إلى واجهة النقاش العام بعد شهور من تعثر تنفيذه ورفض الرئيس مسعود بزشكيان المضي فيه.

وقال إن «مشروع قانون الحجاب لم يعد قابلاً للمتابعة، قانونياً وحقوقياً، ولم يعد هناك أي إلزام أو غرامات مالية أو عقوبات بخصوصه».

وأضاف: «تشهد الجمهورية الإسلامية تحولات تدريجية في أنماطها السياسية والفكرية»، مضيفاً أن «10 في المئة من سكان إيران متدينون محافظون، أما 90 في المئة فيرغبون فقط في العيش وبناء مستقبل لهم».

وخلال مؤتمر صحافي السبت، كرّر باهنر موقفه، قائلاً «حالياً لا يوجد قانون ملزم وقابل للتنفيذ بشأن الحجاب... القرار العام للنظام في الوقت الراهن هو أن قانون الحجاب الإلزامي غير واجب التطبيق. وإذا صادفتم أي إجراء أو غرامة تُفرض بخلاف هذا القرار، يمكنكم الإبلاغ عن ذلك عبر رقم الشرطة 110»، حسب ما أورد موقع «خبر أونلاين».

وأوضح: «صرحت بوضوح أن هناك من كانوا يسعون لجعل الحجاب إلزامياً، أما أنا فلم أكن منذ البداية أؤمن بالحجاب الإلزامي ولاأزال كذلك. لكن السؤال الجوهري: إلى أي مدى يمكن السماح بالتعري؟ فلابد في النهاية من وجود حد يُلتزم به».

ولفت باهنر، إلى أن «هناك مازال من يطالب بالحجاب الإلزامي، وكان بعضهم يعتصم أمام البرلمان».

وتابع: «نحن لا نسعى إلى فرض صوت واحد ولا نقول يجب إسكات الجميع... المسألة ليست فرض رأي واحد، بل تتعلق بقرارات وطنية للنظام. والقرار العام للنظام حالياً هو أن قانون الحجاب غير واجب التطبيق».

وقوبلت تصريحات باهنر بردود عنيفة من أوساط محافظة، فقد قال حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة «كيهان» المقربة من مكتب المرشد الأعلى «ليت باهنر أوضح ما إذا كان يعتبر التعري وحده جريمة، وهل يرى أن خلع الحجاب مباح طالما لم يصل إلى حد التعري؟ وإن كان يقصد ذلك فعليه أن يبيّن لنا كيف يتوافق هذا الرأي مع القوانين النافذة والأسس الشرعية».

وطالب بتوضيح ما يقصده باهنر من «الحجاب الإلزامي»، وما إذا كان يعتقد أن الحجاب «واجب شرعي وضرورة قانونية أم لا»؟

كما شن أحمد راستينه، الناطق باسم اللجنة الثقافية في البرلمان، هجوماً حاداً على باهنر، قائلاً إن مصطلح «الحجاب الإلزامي مختلق لتشجيع التعري»، معتبراً أنه «ترويج إعلامي» لما سماها «وسائل معادية للثورة» مثل قناة «إيران إنترناشونال».

وخاطب راستينه، باهنر «قلت إن النظام يغير أنماطه تدريجياً، ولم يعد هناك قانون للعفة والحجاب. أليس في كلامكم هذا تشجيع على العري؟ وأي مصلحةٍ للنظام تدرسون؟ هل هي مصلحة الغرب العاري المنحل أم مصلحة نظام الجمهورية الإسلامية؟»، حسب ما أورد موقع «خانه ملت» الناطق باسم البرلمان.

من جهته، قال النائب المحافظ محمد تقي نقدعلي، موجّهاً انتقاده إلى باهنر الذي شغل سابقاً منصب نائب رئيس البرلمان «من شغل طويلاً منصب نائب رئيس هذا البرلمان نفسه، يقول اليوم إن الحجاب لم يعد له أساس قانوني... عليه أن يخجل من دم أخيه الشهيد».

وأضاف أن تجاهل تطبيق الشريعة في قضية الحجاب «سيؤدي إلى الفوضى».

وأبدى علي نيكزاد، نائب رئيس البرلمان الإيراني، تأييده لنقدعلي، منتقداً تصريحات باهنر حول نسب المجتمع، قائلاً: «هناك من قسّم المجتمع إلى فئة متدينة وأخرى غير متدينة... ولا نعلم من أين جاء بهذه النسبة».

ويأتي الجدل الجديد بعد أشهر من رفض الرئيس مسعود بزشكيان (وفي مارس الماضي) تنفيذ قانون «العفاف والحجاب» الذي أقره البرلمان، معتبراً أن تنفيذه «قد يشعل الصراعات ويؤذي الناس».

وفي ديسمبر الماضي، أعلنت الرئاسة أن بزشكيان أحال مشروع قانون «العفاف والحجاب» إلى المجلس الأعلى للأمن القومي لمنع تنفيذه، وذلك بعدما طلبت رئاسة البرلمان من الحكومة تعديل مشروع القانون، والتوصل إلى حل توافقي.

والشهر الماضي، قال بزشكيان في حوار تلفزيوني «لم أستطع تنفيذ قانون قد يُشعل فتيل الصراع والخلاف في المجتمع، ولم أكن أعرف كيف أطبقه بتلك الطريقة».

ومنذ 9 أغسطس 1983، أصبح لزاماً على النساء في إيران وضع الحجاب في الأماكن العامة حسب القانون، وذلك بعد تباين بين رجال الدين، بشأن فرض الحجاب في أعقاب ثورة 1979.

لكن المزيد من النساء يخرجن الآن من دون حجاب منذ وفاة مهسا أميني تحدياً لإحدى الركائز الآيديولوجية للجمهورية الإسلامية.

وأدت وفاة الشابة الكردية أثناء توقيفها لدى شرطة الأخلاق بدعوى انتهاك قواعد اللباس المعمول بها إلى موجة غير مسبوقة من الاحتجاجات في سبتمبر 2022.