من قصص التاريخ المحبوكة بالخيال، ومن الحنين إلى ماضٍ مليء بالأحداث والعِبر، ينتقل كريم تابت إلى متاهات الواقع اللبناني وحاضره المولود من رحم التاريخ دون أن يستفيد من دروسه.

بسلاسةٍ يقفز الكاتب من الرواية التاريخية إلى الحكايات الأمثلة التي تجْري أحداثها على ألسنة الحيوانات على طريقة «لافونتين» أو كليلة وكدمنة، لتكون ألذع تعبيرٍ عما يعيشه لبنان اليوم.

حكايا نُشرت باللغة الفرنسية في صحيفة لوريان لوجور اللبنانية على مدى ما يقارب العام وجُمعت في كتاب يحمل عنوان «La Jungle où je suis né» أو الغابة حيث وُلدت، وقّعه كريم تابت مؤخراً في بيروت.

قد لا يحمل الكتاب النفحةَ التاريخيةَ التي ميّزت روايات كريم تابت الثلاث، ولا يغوص في أحداث صنعت تاريخ لبنان والمنطقة، ولا يروي حكايات أشخاص إنصهر مصيرهم مع تَلَوُّن الأحداث وتبدُّلها، ولكنه ليس بعيداً عن المنحى التاريخي، لأن الواقع مهما بدا غريباً أو منفصلاً عما سبقه من مسار تاريخي يبقى وليد هذا التاريخ وثمرته.

ولبنان هذه الأيام أشبه بغابٍ منه بوطن عَرَفَ في تاريخه عظمة شعب كافح ليرسم لنفسه مكاناً بين شعوب المنطقة. وأسياد الغاب ليسوا بشراً بل حيوانات يَترك لها تابت أن تكون أبطالاً لقصص لاذعة هي في الواقع يوميات الشعب اللبناني. ومن خلال شخصيات حيوانية يسلط الضوء على الواقع السياسي الذي يعيشه لبنان ويترك للقارئ حرية الربط بين الحيوان الناطق ومَن يمثّله مِن الصامتين في لبنان...

وكما الغلاف الذي يحمل رسوماً بدائية لحيوانات الغابة، هكذا تُرفق كل حكاية أو مَثَل بما يناسبها من رسوم تكمل المعنى وترسم في خيال القارئ صورة للشخصية المُطابِقة. والرسوم على عفويتها تمثّل سذاجة الواقع السياسي اللبناني وبُعده عن المنطق، فيما النصوص تعبّر عنه بشكل لاذع لا يحتمل تبطيناً ولا تأويلاً وإن بلسان الحيوانات.

أما اختيار تابت للغة الفرنسية فربما تعبير عن لبنان الذي كان، لبنان الثقافة والتاريخ والذي بدأ يندثر ويَفْقِد هويته مع تلاشي اللغة الفرنسية وكل شيء آخر فيه.

كريم تابت المغرم بالكتابة والتاريخ والآتي إلى فضاء الكتابة من عالم الإعلانات والتسويق يجد نفسه منساقاً للكتابة باللغة الفرنسية التي تَرَعْرَعَ على صدى كلماتها، فيما هو يتمنى لو كان يجيد العربية أكثر لتصل أعماله إلى جمهور عربي أكبر.

مع مجموعة «الراي» كانت له وقفة مهنية طويلة حيث كان مديرعام التسويق والمبيعات للجريدة والتلفزيون، وكانت الأخيرة له في عالم الإعلان رغم تفوقه في هذا المجال، قبل أن يقلب الصفحة ويغوص في مغامرة الكتابة مستعيداً جذوره في علم التاريخ الذي تخصص فيه في الجامعة الأميركية في بيروت ثم تابع تخصصه في جامعة أوكسفورد العر يقة. فجاءت رواياته الثلاث «Les mûriers de la tourmente» و «Fleur de lys, feuille d’érable» وروايته الأخيرة «De rivage en rivage» مزيجاً من الأحداث التاريخية الدقيقة بتفاصيلها وإنعكاساتها وأحداث روائية تعيشها الشخصيات التي نسجها خيال الكاتب وجعلها تغوص وتسبح وتتفاعل وتتحول وتتبدل مصائرها مع تقلبات الأحداث التاريخية.

لم تكن الكتابة قدَراً لم يجِد كريم تابت منه مفراً، بل كانت خياراً ناضجاً بَلَغَهُ بعد مسيرة حياتية ومهنية غنية فجاءت لتكلّل شغفاً بالتاريخ وحاجة إلى إستعادته لا عبر أحداث جامدة بل من خلال شخصيات يتحكم الكاتب بمصيرها كما يشاء رغم خضوعها لوطأة الأحداث التاريخية.

أعماله الروائية ثمرة توازن دقيق بين بحث علمي معمق وخيال روائي جامح وهو ما أعطاها صدقية وجعلها متعةً لمَن يقرأها، إذ كانت قادرة على تلبية مَن يهوون التاريخ ومَن يجدون متعةً في عيش القصة والتماهي مع شخصياتها في الوقت ذاته.

وفي حين جعل الكاتب من لبنان وفرنسا مسرحاً لروايته الأولى التي تجري أحداثها في القرن الثامن عشر حين كان لبنان أرض الحرير وأشجار التوت، فإن روايته الثانية التاريخية تنتقل بالقارئ بين فرنسا وكندا لتشكل مسرحاً لما عرفتْه أوروبا من حروب دينية ترددت أصداؤها في كندا البعيدة. أما روايته الثالثة فمسرحها مدينة إزمير التركية في فيء الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر ومصير ثلاث عائلات مسيحية ومسلمة ويهودية جمع بينها عيش ومصير مشترك لتفرّقها الأحداث بعد ذلك وترمي بكل منها في مكان ما في بلدان المتوسط.

أما كتابه «La Jungle où je suis né» الذي وقّعه في السادس عشر من الجاري في بيروت، فلا مسرح له إلا لبنان الذي بات أرض الغاب بعدما باتت حياته السياسية ملعباً لحيوانات الغابة. وسيعود ريع الكتاب لجمعية AFEL التي تعنى بالأطفال والأحداث.