..

بوادر عودة «جنة كرة القدم»


  • في مطلع الألفية بدأت سطوة الدوري في إسبانيا وإنكلترا تفرض نفسها بيد أنّ ذلك لم يحُل دون قدرة إنتر وميلان ويوفنتوس على بلوغ نهائي دوري الأبطال والتتويج به

لا بدّ من الاعتراف بأنّ الدوري الإيطالي لكرة القدم استعاد الكثير من بريقه في السنوات القليلة الماضية، بعدما كان في طيّ النسيان خلال المواسم التي سبقت، مع التسليم بأنّ عملاً كبيراً ما زال ينتظر القيّمين عليه كي يعود إلى القمة التي لطالما شغلها.
في ثمانينات القرن الماضي، فرضت إيطاليا نفسها «جنة كرة القدم» بفضل استقطابها أبرز نجوم «المستديرة» حول العالم، من طينة الفرنسي ميشال بلاتيني (يوفنتوس) والأرجنتيني دييغو مارادونا (نابولي)، بالإضافة إلى بروز «غراندي ميلان» مع المدرب الفذّ أريغو ساكي.
في التسعينات، جاء «الظاهرة» البرازيلي رونالدو إلى إنتر ميلان قادماً من برشلونة الإسباني، الأمر الذي أعاد البريق إلى «سيري أ»، من دون أن ننسى الحضور البارز لميلان ويوفنتوس في دوري أبطال أوروبا، فيما كان الدوري الإيطالي البطولة الأكثر تنافسية في «القارة العجوز».
في مطلع الألفية، بدأت سطوة الدوري في كل من إسبانيا وإنكلترا تتبلور وتفرض نفسها، بيد أنّ ذلك لم يحُل دون قدرة أندية مثل إنتر ميلان، ميلان، ويوفنتوس على بلوغ نهائي دوري أبطال أوروبا، والتتويج باللقب.
بيد أنّ عوامل عدة نالت من إيطاليا، أبرزها الفضائح التي طاولت أندية بارزة فيها، وتحديداً «كالتشيوبولي» في 2006، والتي كان من نتائجها إسقاط يوفنتوس إلى «سيري بي» وسحب لقبين محليين منه، وتأثر أندية أخرى بذيول الفضيحة، بينها ميلان.
على الرغم من ذلك، بقي الدوري، وإن بصفة ضيقة، جاذباً لعدد محدود من نجوم الصف الأول، ولعب تتويج الـ«آزوري» بكأس العالم 2006 في ألمانيا، دوراً في إبقاء الأنظار على البلاد التي يستنشق شعبها كرة القدم.
لعب نجوم عدة، بينهم الفرنسي زين الدين زيدان، التشيكي بافل ندفيد، البرازيليان ريكاردو كاكا ورونالدو، وفابيو كانافارو، دوراً في جذب الانتباه إلى «سيري أ»، وبلغ الأَلَقُ قمته في الموسم 2009-2010 عندما قاد المدرب البرتغالي جوزيه مورينيو فريق إنتر ميلان إلى التتويج بكأس دوري الأبطال، متفوقاً في نصف النهائي على «البعبع الكاتالوني» برشلونة بقيادة المدرب الرائع جوسيب غوارديولا.
بعد تلك الحقبة، أخذت وتيرة التراجع بالتسارع على الرغم من المؤشرات السابقة. فقد بدأ نجوم الصف الأول بالرحيل، أمثال البرازيلي ثياغو سيلفا والسويدي زلاتان إبراهيموفيتش اللذين انتقلا من ميلان إلى باريس سان جرمان الفرنسي، وبعدها فشل «روسونيري» في التأهل إلى دوري الأبطال، وهو الهدف المركزي الذي وضعته إدارته، في السنوات القليلة الماضية.
فقد الدوري الإيطالي جودته بفعل غياب النجوم المتألقين وبدا كأن «بطولة أداء واجب» لا أكثر ولا أقل.
تلك الصورة الشاحبة أخذت بالتحسن شيئاً فشيئاً، ولا مناص من الاعتراف بأن وصول البرتغالي كريستيانو رونالدو إلى يوفنتوس، قادماً من ريال مدريد الإسباني، أبان عن أن شيئاً ما يتحضر، وبأن إيطاليا ستعود إلى ما كانت عليه.
فخلال مفاوضات العام 2018 بين إدارة «السيدة العجوز» ورونالدو، بدا وكأن إيطاليا تستعد لثاني أكبر صفقة في تاريخها بعد صفقة انضمام مارادونا إلى نابولي في 1984.
صحيح أن «سي آر 7» كان يبلغ الـ33 من العمر عندما وصل الى مدينة تورينو، بيد أن ثمة تسليماً بأن هذا اللاعب ورغبته في تحقيق الانتصارات أينما حل وارتحل، عنصران يؤكدان بأنه جاء ليحقق شيئاً ما، وليس فقط لينهي مسيرته في «بلاد السباغيتي». ولا شك في أن الهدف الأول بالنسبة الى الـ«يوفي» من جلب رونالدو هو تحقيق كأس دوري أبطال أوروبا التي عزّت عليه منذ 1996.
بوصول رونالدو، باتت مباراة تجمع بين يوفنتوس وفيرونا مثلاً تستحوذ على متابعة واسعة، ليس فقط في إيطاليا، بل حول العالم، وذلك من باب الرغبة في رؤية النجم البرتغالي وما قد يحققه في إيطاليا بعد سنوات طويلة من الأَلَق في إنكلترا وإسبانيا.
سبب آخر أدى إلى «عودة» الدوري الإيطالي ويتمثل في اعتماد الأندية على لاعبين موهوبين صاعدين، محليين وأجانب، الأمر الذي جعل نادياً مثل سبال يتفوق على روما العريق في عقر داره، وهذا أيضاً عامل إيجابي حرّك المياه الراكدة وفتح الصراع على مصراعيه ومنح المباريات بمجملها جاذباً كان غائباً عنها في السنوات الماضية.
أندية مثل فيورنتينا، لاتسيو، روما، نابولي وميلان تحسنت بصورة تدريجية وتضم صفوفها، اليوم، مواهب محلية رائعة باتت في مرمى أطماع أندية إنكليزية غنية مثل مانشستر يونايتد وإسبانية مثل برشلونة الذي لطالما كان منتِجاً للمواهب. ونتحدث هنا عن فيديريكو كييزا، مثلاً، وأليسيو رومانيولي وغيرهما ممن دعموا المنتخب الإيطالي في مشوار تصفيات «يورو 2020» وجعلوه، بقيادة المدرب روبرتو مانشيني، يتأهل بالعلامة الكاملة، ويدخل في القائمة الضيقة للمنتخبات المرشحة للعب دور بارز في النهائيات.
ولا يفوتنا هنا التطرق الى دور المستثمرين الأجانب الذين بقوا على ثقة في أن الأندية الإيطالية قادرة على أن تعود عليهم بالفائدة، فتضاعف حضورهم، وما زال.صحيح أن سطوة يوفنتوس على الدوري في المواسم الماضية، جعلت البطولة تحصيلاً حاصلاً، وشبيهة بالوضع مع باريس سان جرمان في فرنسا، بيد أن وصول المدرب أنتونيو كونتي إلى إنتر وفورة لاتسيو بقيادة سيموني إينزاغي خلطا الأوراق تماماً، دون أن ننسى سعي ميلان الحثيث الى العودة عبر استعادة زلاتان ابراهيموفيتش (38 عاما)، ودور كل من روما ونابولي وفيورنتينا في تحديد هوية بطل الموسم الراهن تحديداً، من خلال مواجهاتها المباشرة مع فرق المقدمة.
تحتاج إيطاليا، اليوم، إلى العودة للعب أدوار أولى في دوري الأبطال كي يكون ذلك بمثابة الانعكاس التدريجي لقوة الدوري فيها.
منذ مطلع الألفية، توج ميلان باللقب الأوروبي الأغلى مرة (2007) وإنتر كذلك (2010)، بينما وصل الـ«يوفي» الى النهائي مرتين وخسر (2015 و2017)، وهو سجل لا يناسب مكانة إيطاليا التي خسرت في فترة من الفترات مقعداً رابعاً مؤهلاً إلى الـ«تشامبيونزليغ» لمصلحة ألمانيا.
بدت أنديتها بعيدة عن ركب نظيراتها في إسبانيا وإنكلترا وحتى ألمانيا، ولولا صعود يوفنتوس إلى النهائي في السنوات الأخيرة، لما كان لها أثر على الإطلاق، وذلك بغض النظر عن وصول روما «الاستثنائي» إلى نصف نهائي الموسم 2017-2018.
ثمة الكثير من العمل للقيام به في إيطاليا حيث سيطر يوفنتوس على اللقب المحلي في المواسم الثمانية الماضية دون أن يتمكن من مدّ السطوة الى خارج الحدود، وهو ما نجح بايرن ميونيخ الالماني مثلاً في إنجازه رغم المضايقة الموسمية من بوروسيا دورتموند.
حتى في إسبانيا، وفي ظل الصراع بين ريال مدريد وبرشلونة وحتى أتلتيكو مدريد، كان الثلاثي قادراً على العمل بالتوازي على الجبهة القارية.
وفي السنوات الأخيرة، عادت أندية إنكلترا لتقول كلمتها في «الأبطال»، دون أن ننسى تتويج تشلسي في 2012 وليفربول على حساب مواطنه توتنهام في 2019.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا