مبارك الكبير ... شخصية استثنائيه


مبارك الكبير ... أسد جزيرة العرب / قصة باني الكويت الحديثة

  • 02 ديسمبر 2007 12:00 ص
بقلم اميرة الكلمة الشاعرة الدكتورة سعاد الصباح

لا يحفظ تاريخ الأوطان إلا رجالها العظماء، ولا يضيء مشعل الأجيال القادمة إلا أولئك الأحرار، ولا يخلد الذكرى الا قلم رشيق البيان تتراص حروفه من لجين عذب سكبته مشاعل الأنامل رحيقاً لمن فتش عن أريج الماضي وعبق الحاضر وروح المستقبل.

«مبارك الصباح... مؤسس دولة الكويت الحديثة»، كان كتاب صاحبة القلم الرقيق والمرهف الشيخة الشاعرة الدكتورة سعاد محمد الصباح عن هذا الحاكم الكبير الذي أوصل سفينة البلاد الى الأمان وسط اعادة تشكيل خارطة قلب العالم، والفارس الذي استل سيفه أسداً في جزيرة الرمال المتحركة، رفع علم البلاد وتحدى اعصار التغيير على الجبهات كلها في ما كانت امبراطورية «الرجل المريض» تشارف على الزوال.

أميرة الكلمة رصدت حياة الراحل وانجازاته والنهضة التي شهدتها الكويت في عهده، وقضت أعواماً في تأليف كتابها الممنهج عن هذا الرجل الاستثنائي الذي تنشر «الراي» سيرته المليئة بالأحداث التي غيّرت مجرى تاريخ الكويت.


(الحلقة الثانية) يوسف الإبراهيم كان يتطلع إلى حكم الكويت مستعيناً بتحالفات مع آل ثاني وآل الرشيد




يحتوي الكتاب على خمسة فصول تتناول حياة الراحل الكبير من زوايا مختلفة بأسلوب قصصي شيق. وبعد أن تم عرض المقدمة والمنهج المتبع في التأليف، تستهل «الراي» الحلقة الثانية بما ورد في الفصل الأول.


استراتيجية بناء الدولة

هناك نوعان من القادة والرؤساء: نوع يصنع الأحداث، ونوع تدهمه الأحداث. النوع الأول: يتعامل مع البيئة المحيطة به كساحة للتحدي، يسعى إلى تغييرها بما يتلاءم مع أحلامه وطموحاته، والنوع الثاني: يتعامل مع هذه البيئة كأنها «قدر محتوم» لا يملك منه فكاكاً، يستسلم له ويقبله كما هو.

كان الشيخ مبارك من النوع الأول بلا جدال. فقد تعامل مع بيئة بالغة التعقيد، تداخلت فيها عناصر الوضع الداخلي في الكويت مع الوضع الاقليمي في منطقة الخليج، مع سياسات ومخططات الدول الأوروبية الكبرى في المنطقة. ففي الداخل كان هناك- كما سنشرح في هذا الفصل- سعي يوسف الإبراهيم الدؤوب لإبعاد مبارك عن الحكم، واستعان في هذا السعي بأطراف اقليمية، مثل آل رشيد وحاكم قطر وبعض الولاة العثمانيين. وكانت الساحة الاقليمية تشهد صراعا بين آل سعود وآل رشيد على حكم نجد وشبه الجزيرة العربية، كما شهدت محاولات اسطنبول تثبيت مركزها وتأكيد نفوذها على المشيخات العربية في الخليج.

واصطدم هذا السعي العثماني في الحقبة الأخيرة من القرن التاسع عشر بالنفوذ الانكليزي الذي كان قد توطد سياسيا وعسكريا في الخليج، والذي تمثل في نجاح لندن في عقد سلسلة من اتفاقات الحماية مع شيوخ الإمارات العربية. وبينما مثل الصراع الأنغلو عثماني أحد المحاور الأساسية للتفاعلات السياسية في منطقة الخليج في هذه الفترة، فقد تأثر هذا الصراع بعنصر التنافس الأوروبي في المنطقة وتصاعد طموحات ألمانيا وروسيا وفرنسا.

ونتيجة لتعدد الفاعلين وتنوع المصالح، فقد دخلت هذه الأطراف في سلسلة من الصراعات والمنافسات من ناحية، والتحالفات والصداقات من ناحية أخرى. لم تكن حدود الصراع واضحة بشكل نهائي أو مستمر. بل تغيرت المواقف وتنوعت الأدوار وفقاً لتغير مصالح كل طرف من مرحلة إلى أخرى.

وكان على الشيخ مبارك أن يدير دفة سفينة الحكم في الكويت وسط هذه الأنواء المضطربة والمتغيرة، وكان عليه أن يقيم الصلة مع كل طرف حسب مصالح بلاده. فمن ناحية، حافظ على صلته بالدولة العثمانية باعتبارها رمز «الخلافة الإسلامية»، واستخدم هذه الصلة لحماية مصالح الكويتيين وأملاك أسرة آل صباح في منطقة الفاو، ولحماية سفن تجار الكويت في موانئ الخليج التي كانت تسيطر عليها السلطات العثمانية، وكان على استعداد لاستمرار هذه الصلة شريطة عدم تدخل اسطنبول في سياسة الكويت وشؤونها، وعدم قبول أي مندوبين حكوميين عثمانيين على أرض الكويت. ومن ناحية ثانية، أقام صلة وثيقة بالحكومة البريطانية، باعتبارها الدولة الأكثر نفوذا وسيطرة في الخليج، وذلك لحماية بلاده من غيلة التدخل العثماني. ومن ناحية ثالثة، استقبل مندوبي الدول الأوروبية الكبرى واستمع إلى ما يعرضونه عليه من وعود، وكان حريصا على إبلاغ السلطات الانكليزية بهذه العروض لكي يعطيهم الانطباع بأنه ليس أسيراً للديبلوماسية الانكليزية، وان لديه بدائل يمكن استخدامها في أوقات الضرورة. لذلك وصفه المؤرخ بريتون كوبر بوش بأنه «ديبلوماسي بارع».

ولد الشيخ مبارك، وهو الابن الثالث لأبيه الشيخ صباح، سنة 1844. ولما بلغ سن الخامسة، احتضنه جده الشيخ جابر الذي عني بتربيته، وأحضر له معلما من رجال الدين عكف على تعليمه مبادئ القرآن الكريم وادابه. وفي سن الثانية عشرة من عمره تدرب على الرمي وركوب الخيل. وخلال عامين، كان قد انتهى من تدريباته في الفروسية حتى برز بين أقرانه وخلانه، وأصبح من أبرع الفرسان والرماة، وكان نادرا ما يخطئ هدفه. وبدأ يشارك في مجالس الحكم.

تمرس الشيخ بفنون القتال من خلال حياته في البادية، ومن خلال مشاركته في الحملات العسكرية قبل توليه الحكم. فعلى سبيل المثال، كلفه الشيخ عبدالله الصباح حاكم الكويت بقيادة القوات الكويتية لمساعدة الدولة العثمانية في حملة الاحساء التي قادها نافذ باشا عام 1871، فقاد شيخ الكويت الحملة البحرية، وطلب من أخيه مبارك قيادة القوات البرية.

وفي هذه الأثناء، التقى مبارك مع مدحت باشا المصلح العثماني الكبير. وتقديراً منه لدور الكويت، منح مدحت باشا شيخ الكويت مزارع للنخيل في منطقة شط العرب وأعفاه من دفع ضرائبها. كما قاد مبارك الحملة التي أمر بها الشيخ محمد الصباح حاكم الكويت عام 1892 ضد ماجد الدويش أحد رؤساء قبيلة مطير عقاباً له على اعتدائه على أملاك قبائل تابعة لشيخ الكويت. وقاد الشيخ مبارك في العام نفسه القوة التي أرسلها شيخ الكويت لدعم ابن صويط، شيخ قبيلة الظفير، ضد أحد زعمائها المتمردين عليه. كما قاد القوات الكويتية التي أرسلت لدعم القوات العثمانية في قطر عام 1893.

وفي العام نفسه، قاد الشيخ مبارك الحملة التي أمر بها شيخ الكويت ضد آل سعيد الذين قاموا بالاعتداء على بعض القبائل الكويتية، وتعقبهم حتى أدركهم في منطقة الخنقة، وهزمهم واسترد الممتلكات المنهوبة. وفي عام 1894، قاد الشيخ مبارك القوة التي أرسلها شيخ الكويت ضد قبيلة بني هاجر التي اعتدت على بعض السفن الكويتية في الخليج، واستولت على ما فيها، وأدركهم بين القطيف والاحساء وهزمهم واسترد ما كانوا قد استولوا عليه من ممتلكات. وكان حامل البيرق في غالبية هذه المعارك عبدالله بن محمد المزين، وشاركه ابنه إبراهيم الذي حمل الراية بعد وفاة والده.

واستفاد مبارك الكبير من مشاركته في هذه المعارك، حيث تمرس على فنون الحرب في الصحراء، وأقام علاقات وثيقة مع رؤساء قبائل البدو، كما استطاع تعزيز مكانته الشخصية من خلال قيادته الفعلية للمحاربين الكويتيين.

ويصف معاصروه هيئته بأنه كان طويل القامة، أسمر اللون، أدعج العينين، أوهز، حسن المشية، قليل اللحم، قوي البنيان. ويصفه حافظ وهبة بأنه كان «قوي الذاكرة، صلب الإرادة». ويضيف حسين خلف الشيخ خزعل أنه كان على جبهته أثر ضربة سيف زادته هيبة، وأنه كان «ذكياً شديد الإحساس، ذا همة عالية وعزم متين، كثير التفكير قليل الحديث... قوي الحافظة فإذا رأى إنساناً مرة واحدة لا ينساه مهما تقادم الزمن وبعد به العهد». ووصفه عبدالمسيح إنطاكي صاحب مجلة العمران المصرية الذي التقاه عام 1907 بأنه «طويل القامة رقيق الجسد مفتول الساعدين أسود الشعر ذو عينين سوداوين جذابتين تنبعث منهما أنوار الذكاء والدهاء، ولحيته سوداء قصيرة خفيفة... وهو حاضر الذاكرة يحفظ كل الحوادث التي مرت عليه أو سمعها، فإذا ذكر أمامه حادث صححه في الحال على حقيقته ورواه بحذافيره».

نشأ مبارك نشأة قبلية صحراوية غرست فيه حب الأرض وقوة العزيمة، فكان مبعوثاً من أخيه الشيخ محمد، حاكم الكويت، إلى الصحراء لتحمل مسؤولية المحافظة على النظام وسط قبائل لا تعرف إلا مناخ الحرية وترفض تدخل أي سلطة، خصوصا أن مباركاً كان عليه أن يمارس هذا الدور من دون الدعم المالي الكافي لتحقيق مهمته. وكانت هذه المهمة مرحلة اختبار وتدريب لمبارك تعلم فيها حياة الصحراء وأقام علاقات وثيقة من الولاء له والارتباط به مع قبائل العجمان والرشايدة. وعندما تولى الحكم، وصف نفسه بشيخ قبائل الكويت، واستطاع أن يوظف علاقاته الوثيقة بالقبائل في تكوين القوة العسكرية اللازمة للدفاع عن الكويت، وردع الخصوم، ودعم الأصدقاء. وفي هذا السياق، تحرك مبارك في خمسة اتجاهات هي: توطيد أركان  الحكم في وسط لجة من الصراعات والمؤامرات، وتكوين قوة عسكرية كويتية مهيبة، واستثمار التنافس الدولي بين القوى الكبرى والعثمانيين لحماية استقلال بلاده، ورفع أول علم وطني يحمل اسم «كويت»، وتحديد حدود الإمارة.


توطيد أركان الحكم

وصل مبارك الى الحكم في ظروف صعبة ووسط مجموعة من الصراعات السياسية والعسكرية انتهت بمصرع أخويه محمد وجراح. وكان من شأن ذلك ان شهدت السنوات الأولى من حكمه سلسلة من الحوادث والمواجهات السياسية والعسكرية، وكان عليه ان يواجه الكثير من محاولات الهجوم على الكويت لانهاء حكمه بالقوة.

وتداخل الصراع الداخلي في الكويت بتأثيرات اقليمية ودولية. فعلى المستوى الخارجي، كانت هناك محاولات العثمانيين التدخل في شؤون الكويت في مواجهة ازدياد النفوذ الاوروبي، وعكس هذا النفوذ التنافس بين بريطانيا وكل من فرنسا وروسيا وألمانيا. وارتبط ذلك بالصراعات الاقليمية في شبه الجزيرة العربية، وخصوصا الصراع على حكم نجد والاحساء بين آل سعود وآل رشيد. واستخدم مبارك مختلف الأدوات الديبلوماسية والعسكرية لتوطيد أركان حكمه.

كانت نقطة البداية هي الخلافات بين مبارك وأخويه، التي استمرت بعد وفاتهما بسبب مناصرة يوسف  الابراهيم لأولاد محمد وجراح. كان يوسف الابراهيم من كبار تجار اللؤلؤ في الكويت، وعلى صلة مصاهرة مع آل صباح، وتمتع بنفوذ كبير في فترة حكم الشيخ محمد بن صباح الثاني.

وقد سعى يوسف الابراهيم لتقويض حكم مبارك متحالفا مع بعض المسؤولين العثمانيين، وكذلك مع آل رشيد، ومثل هذا السعي من جانب يوسف الابراهيم السمة الرئيسية للعلاقات الكويتية - العثمانية في السنوات الاولى من حكم مبارك، ولم تتوقف جهود الابراهيم هذه الا بوفاته في 12 مارس 1906. حاول يوسف الابراهيم استدعاء حمدي باشا والي البصرة على الشيخ مبارك مستخدما لتحقيق هذا الهدف كل أساليب الاغراء الديبلوماسية. فمع العثمانيين، لوح لهم بأن مبارك موالٍ للانكليز، وانه - أي يوسف الابراهيم - سيعمل على اعادة نفوذ السلطة العثمانية الى الكويت. وفي اتصاله بالقنصل البريطاني في البصرة، وكذلك المقيم البريطاني في بوشهر، وعد الانكليز بطلب الحماية البريطانية للكويت اذا تدخلت لندن لانهاء حكم مبارك. كما استخدم سلاح المال لتحقيق هدفه. واضافة الى الاتصالات السياسية واستخدام المال، فقد لجأ يوسف الابراهيم ايضا الى سلاح القوة ونظم أكثر من محاولة لغزو الكويت عسكريا. ووجدت مساعي يوسف الابراهيم لدى العثمانيين آذنا صاغية. فقد كان عدم قبول شيخ الكويت لحامية عسكرية او مندوب سياسي عثماني، وحرصه على الاستقلال الداخلي للكويت يمثلان العقبة في المحافظة على نفوذ السلطان العثماني في ساحل الخليج من الناحية الجغرافية، اذ كان موقع الكويت بين مقاطعتي الاحساء والبصرة، وكلتاهما كانت مقاطعة تابعة للعثمانيين. ومن ثم مثلت الكويت، بحكم موقعها، فاصلا وانقطاعا لامتداد السيطرة العثمانية. ومن أمثلة رفض الشيخ مبارك لوجود حامية عسكرية عثمانية في الكويت ما حدث في سبتمبر 1899 عندما وصل أميرال بحري عثماني إلى الكويت ومعه خمسة عساكر، استضافهم الشيخ مبارك في بيته. وعندما سأله الشيخ عن أسباب قدومه الى الكويت، أفاد بأنه مكلف من حمدي باشا والي البصرة بأن يكون قائداً بحرياً في الكويت. وكان رد الشيخ سريعاً وحاسماً بأن الكويت «لا تحتاج إلى قائد بحري وان عليه ان يعود من حيث أتى وألا يتم تنزيل شيء من حمولته وان يسافر في الليلة نفسها».

من ناحيته، لم يقف مبارك ساكنا، وكان متابعا لتحركات يوسف الابراهيم ساعيا الى افساد مخططاته، مستخدما الاساليب والأدوات نفسها. فأظهر مولاتهه للسلطة العثمانية وحرصه على استمرار الصلة بها، ولم يدخر وسعا في تقديم الهدايا الى المسؤولين العثمانيين محذرا اياهم من تربص الانكليز بامارته، ورفع العلم العثماني على قصره. وسعى الى رجب باشا والي بغداد لاقناع الباب العالي بأن ما حدث في الكويت هو شأن داخلي وأمر عادي، وليس من شأنه التأثير على علاقات الكويت باسطنبول. وهدف مبارك من وراء ذلك تدعيم مركزه في الداخل، وتحييد الدولة العثمانية من الوقوف الى جانب خصومه، فضلا عن المحافظة على ممتكلاته في البصرة. وكان متأهبا لاحتمالات الغزو وأخذ عدته لمواجهته. وفي الوقت نفسه، وتحسبا لأي احتمالات مفاجئة، فقد بدأ الشيخ اجراء اتصالات سرية مع الانكليز لمواجهة الضغوط العثمانية المتوقعة.

كان عام 1897 عاما حافلا بالحوادث والمواجهات بين الشيخ مبارك ويوسف الابراهيم المؤيد من بعض المسؤولين العثمانيين، ومع السلطات العثمانية التي سعت الى فرض وجودها على ارض الكويت، ففي فبراير 1897، اتخذ والي البصرة قراراً بتعيين موظف عثماني في مركز الحجر الصحي في الكويت، وكان هذا القرار تغييراً للوضع السائد الذي اكتسبته الامارة، ولم يكن  مبارك مستعداً لقبوله، وهنا بدأ مبارك يتطلع الى دعم خارجي،  خصوصاً مع تهديدات ابن رشيد حليف العثمانيين ويوسف الابراهيم الذي كان يتطلع لحكم  الامارة.

وكرد فعل على ذلك، طلب مبارك في نفس الشهر مقابلة مندوب عن المقيم السياسي البريطاني في الخليج، واعلن له عن رغبته في وضع الكويت تحت الحماية البريطانية حتى لا تقع تحت السيطرة العثمانية، لكن بريطانيا لم تبادر الى تلبية طلبه على الفور، اذ كان لابد لها ان تعتبر حاكم  الكويت مستقلاً عن  الدولة العثمانية حتى يتسنى لها ابرام معاهدة معه، وان تتراجع عن اعترافها الصادر عام 1878، بالسيادة العثمانية على الامارات العربية المطلة على الساحل الشمالي للخليج. ومع شعور يوسف الابراهيم بان جهوده ضد مبارك لم تثمر، لجأ الى الحل العسكري، فاعد في يونيو/ 1897 حملة بحرية لغزو الكويت تكونت من اربع عشرة سفينة تراوح عدد افرادها بين 1500 و1800 رجل. ولكن  مبارك علم بامرها واستعد لمواجهتها بحراً، والحق الهزيمة برجال يوسف الابراهيم، ورغم طلب الشيخ من والي البصرة إلقاء القبض على مدبري الهجوم، فان السلطات العثمانية لم تتعامل مع الامر بجدية ورفض والي البصرة طلب الشيخ السماح له بان تقوم قواته بتعقب يوسف الابراهيم في المياه العثمانية والايرانية. وهناك رواية تحكي عن كيف عرف مبارك بامر هذه الحملة سجلها الشيخ عبدالله النوري في كتابه «خالدون في تاريخ الكويت» فيذكر ان علي سليمان ابو كحيل الذي كان عائداً بسفينته الى الكويت فوجئ في عرض البحر برجال يوسف الابراهيم الذين قبضوا عليه واقتادوه اليه، وسأله يوسف عن احوال الكويت، وطلب منه معلومات عن الشيخ مبارك وعندما عاد ابو كحيل الى الكويت، اسرع باخبار الشيخ بان هناك حملة بحرية في طريقها الى الكويت. لذلك، فعندما وصلت السفن، كانت الكويت كلها على اهبة الاستعداد لملاقاتهم. وبعد انتهاء الازمة، طلب الشيخ ابو كحيل لمقابلته وسأله: ماذا تريد يا علي مكافأة لك؟ الا ان ابا كحيل لم يطلب شيئاًَ. فاعطاه مبارك سفينة اسمها «الميمون» مكافأة له على حسن صنيعه. ولم ييأس يوسف الابراهيم، فاعاد الكرة  بالتنسيق مع الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني حاكم قطر لاعداد حملة برية وبحرية في نوفمبر/ 1897، ولكن الخطة لم تر النور. ازاء ذلك، استنجد يوسف الابراهيم بعبد العزيز بن متعب الرشيد امير حائل ونجد الذي اشتهر باسم امير الجبل. وكان لابن الرشيد اسبابه في السعي الى اضعاف الكويت التي استضافت منذ عام 1892،  الامير عبدالرحمن بن فيصل آل سعود العدو اللدود له. وقادت الحوادث الى مواجهات عسكرية. كان البريطانيون يتابعون هذه التحركات وحذروا الشيخ من عواقب الهجوم على آل رشيد. واتصلت حكومة الهند بوكيل الشيخ مبارك في بومباي محذرة اياه من عواقب مثل هذا الهجوم، لكن  الشيخ رفض قبول تلك النصيحة. ويبدو ان السلطات العثمانية ادركت قوة  الشيخ، وان محاولات يوسف الابراهيم قد اسفرت عن لا شيء لذلك، صدرت ارادة سلطانية في ديسمبر/ 1897، بتعيين الشيخ مبارك «قائمقام» على الكويت، وبتخصيص راتب سنوي له قدره 150 كارة «الكارة تساوي حوالى طن ونصف الطن» من التمر تحولت الى راتب سنوي قدره 300 جنيه استرليني.

استمرت المواجهات العسكرية بين مبارك وابن الرشيد. وكان ابرز حلقات هذه المواجهات معركة الصريف التي انهزمت فيها قوات الشيخ في مارس/ 1901 - والتي سنشرحها بالتفصيل في الفصل الرابع. وكانت هزيمة قاسية فتحت الباب لاعادة الدولة العثمانية محاولتها فرض سلطتها المباشرة على الكويت. ففي الشهر التالي، تحرك قاسم باشا القائد العام  للقوات العثمانية في العراق على رأس قوة عسكرية الى البصرة، وكان من المخطط ان تتجه بعد ذلك الى الكويت للتخلص من الشيخ مبارك.

احتجت لندن على السلوك العثماني، وكان هناك احتمال مواجهة بين البلدين. وكان للسياسة التي اتبعها محسن باشا والي البصرة الدور الاكبر في عدم حصول مزيد من التصعيد.  فقام في 18 مايو/ 1901 بزيارة ودية الى الكويت يرافقه فيها القائد العام للقوات العثمانية في العراق قاسم باشا ابن اخت السلطان - وبعض اعيان البصرة وقوة مشكلة من مئة وخمسين جندياً، وصرح بان هدفه هو تهدئة العلاقات بين مبارك وابن الرشيد. ولكنه حاول عند مقابلته الشيخ مبارك اقناعه بالرضوخ لاوامر الخليفة العثماني باعتبار ان الامارة هي «سنجق» تابع للدولة، وبقبول حامية عسكرية عثمانية على ارض الكويت، لكن الشيخ رفض هذا الطلب، وتوضح التقارير التي ارسلتها السفارة الروسية في الاستانة، عن هذه الزيارة التي استغرقت اربعة ايام، ان الشيخ استقبل محسن باشا بحفاوة عربية اصيلة، «ومع ذلك فمنذ اللحظة الاولى لوصوله افهمه مبارك بكل وضوح  بانه يستقبله ليس باعتباره والياً للبصرة او مبعوثاًَ للسلطان، وانما كمجرد صديق قديم، قدم الكثير من المساعدات للشيخ في  وقت الشدة والضيق» وفي تقرير لاحق للقنصل الروسي في البصرة اداموف، ورد ان مبارك اخبر محسن باشا بانه نتيجة للخطر العثماني الذي يحدق به فانه قد دخل تحت حماية دولة اجنبية.

لكن الشيخ كان حريصاًَ في الوقت نفسه على عدم قطع جسور الصلة مع الدولة العثمانية وبناء على طلب الوالي من الشيخ السفر الى البصرة واعلان ولائه للسلطان، وافق مبارك على الذهاب الى الفاو وليس البصرة، وان يكون السفر على متن مركبه الخاص. وبالفعل، تم السفر يوم 23 مايو في مركب الشيخ يرافقه مركب اخر يقل المرافقين والحرس. وكان الشيخ قد اتصل قبل ذلك بالمقيم السياسي البريطاني في الخليج، واخبره بعزمه على السفر الى الفاو، وطلب منه متابعه تطورات الوضع. ومن هناك، ارسل برقية تلغرافية الى الاستانة يجدد فيها الولاء والبيعة للسلطان العثماني.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا