اهتمام بالجيل الناشئ


تحفيظ القرآن في المغرب ... بين الكتاتيب ومدارس التعليم العتيق

مرت بسلسلة من التعديلات والتطويرات حتى انضوت تحت مظلة وزارة الأوقاف

عُرفت مملكة المغرب بمدارس التعليم العتيق، التي تندمج فيها مواد الشريعة والفكر الإسلامي مع اللغة العربية والكيمياء والفيزياء، وغيرها من المواد العصرية، واستمر هذا الاهتمام بعلوم القرآن والعلوم الشرعية من كل الدول التي حكمت المغرب، الإدريسية، والمرابطية، والموحدية، والمرينية، إلى عهد الدولة العلوية.
وكانت السمة البارزة إلقاء الضوء على التعليم الديني المرتكز على العقيدة الإسلامية، ببناء الصروح التعليمية والاهتمام بالعلماء، وكان الدافع هو الحماس للدين والمحافظة على الهوية الإسلامية. ولا يخفى علينا الدور التاريخ والبارز الذي لعبه جامع القرويين بمدينة فاس الذي تأسس عام 245هـ في عهد يحيى بن محمد بن إدريس، والذي تمت بعد ذلك توسعته.
وتزايدت أعداد المدارس والجوامع التي اهتمت بالعلوم الشرعية، وجاءت بعدها المدارس العتيقة، والكتاتيب القرآنية بشكل ملحوظ جداً. وبلا شك فقد واجهت هذه المدارس تحديات سياسية أبرزها الاستعمارالغربي الذي جاهد ليمحو الهوية الإسلامية بتهميش اللغة العربية، ومحاولة طمس هذه المدارس ذات الهوية الإسلامية، ولكن ظلت المدارس التقليدية العريقة كجامع القرويين الشهير بفاس، والمساجد المتخصصة في تدريس العلوم الشرعية واللغوية والأدبية تؤدي دورها الفعال في التعليم الديني وبالآلية التقليدية ذاتها.
 ومرت هذه المدراس بسلسلة من التعديلات والمسائل التطويرية، وانضمت لمظلة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، التي اعتنت باستمرار مدارس التعليم العتيق، ودعم الطلبة معنوياً ومادياً. وفي سنة 2015 أصدر الملك محمد السادس مرسوماً يعيد فيه جامعة القرويين لوصاية وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، لتضم تحتها كل معاهد ومؤسسات التعليم العتيق، على أن تبقى كليات الشريعة وأصول الدين واللغة العربية تحت وصاية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.
وفي زاوية حفظ القرآن بالطريقة التقليدية، أشار أستاذ علوم القرآن بمركز محمد السنعوسي للقرآن الكريم التابع لجمعية منيره الحِمْد الثقافية بمدينة تطوان المغربية ميلود أشراو، والذي يرجع بأصوله إلى مدينة الجوهرة الزرقاء شفشاون الواقعة في الجزء الشمالي من المغرب أنه بدأ حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، وذلك بعد أن غادر المدرسة في السنة الأولى بإلحاح شديد من والده رحمه الله، والذي كان حلمه وهدفه أن يكون ابنه حافظاً لكتاب الله عزّ وجل، فألحقه بمسجد الحي.
وهكذا بدأت رحلة أشراو القرآنية بالطريقة التقليدية التي تعتمد اللوح ولوازمه، والتي لم تستغرق منه وقتاً طويلاً ليتأقلم مع أجواء التحفيظ في المسجد، بطريقته التقليدية في الحفظ. وقال اشراو انه كان يتمتع بذاكرة قوية في الحفظ، فتمكن من الحفظ الأوّلي للقرآن بعد ثلاث ختمات، و عمره آنذاك يقارب الخامسة عشر من عمره.
 واستمر يحفظ القرآن في المسجد حتى ضبطه ضبطاً تاماً، وختمه تسع ختمات من فضل الله عز وجل، وكان عمره آنذاك ثمانية عشر سنة، وبعدها قرر الالتحاق بمدارس التعليم العتيق لدراسة علوم القرآن، وعلوم اللغة العربية، والعلوم الشرعية، وكان ذلك في مدرسة أمتار قرب الجبهة، والتي أُغلقت في الوقت الحالي.
 ويشيد أشراو بالفضل الكبير لشيخه الأستاذ أحمد أخريف الذي حفّزه وشجعه، فقد كان سبباً في استمراره في الدراسة بمدارس التعليم العتيق، حيث بين له إيجابية هذا التعليم بحكم أنه كان جديداً عليه، ولم يعهده من قبل. وتابع «وجدتُ بعض الصعوبات في البداية، خصوصا في مسألة الالتزام بالمقررات الدراسية والخضوع للاختبارات المتكررة، لكن ولله الحمد مع مرور الوقت تجاوزت هذه الصعوبات»، لافتاً إلى أنه بدأ دراسته في التعليم العتيق من المستوى الخامس ابتدائي بعد خضوعه لاختبار المستوى، والذي قرر مدير المدرسة في ضوئه منحه هذا المستوى، واستمرت دراسته في التعليم العتيق في السلكين الإعدادي والثانوي حتى تخرج منه سنة 2013.
 وأكد أن «رحلة التعليم العتيق في المغرب بدأت سنة 2002 بعدما أن أصدر الملك محمد السادس مرسوما يعطي فيه الانطلاقة لتعليم جديد يسمى التعليم العتيق، والذي يعتمد على برنامج مكثف لطلبة العلوم الشرعية، حيث يتم التركيز فيه بالدرجة الأولى على المواد الشرعية واللغوية، كالتفسير والحديث وعلومه، والفقه وأصوله، وعلوم اللغة كالنحو والبلاغة والعروض، إضافة إلى مواد مكملة تساعد الطلبة على الاندماج في المجتمع، وتقربهم من مقررات المدرسة العمومية من مثل: التاريخ والجغرافيا، واللغات الأجنبية، والإعلاميات وغيرها».
وزاد «بعد مدة من خروج التعليم العتيق للوجود، بدأ المختصون في تعديد مزاياه وسلبياته، وكثر منتقدو هذا النوع من التعليم لأسباب عدة منها المواد القديمة التي تقتل الطاقة الإبداعية لدى طالب التعليم العتيق، وتضيق عليه مساحات الانطلاق في فضاءات إبداعية أخرى، فهو يردد ما يحفظ، وكذلك كثرة المواد والازدحام الذي يشهده البرنامج اليومي طوال أيام الأسبوع، لكن إذا أردنا أن نعقد مقارنة بسيطة بين الدراسة في التعليم العتيق لا سيما الدراسة في العالمية التي تساوي الإجازة في كليات الدولة، يمكننا القول بأن طالب التعليم العتيق يكون أكثر تمكناً من طالب العلوم الأساسية، إضافة إلى احتكاكه بمؤلفات وكتب تساعده على تكوين رصيد علمي ومعرفي لا بأس به، يفتح له طريق التبحر في العلوم الشرعية، أما الدراسة في شعبة الدراسات الإسلامية، فهي تتسم بنوع من السهولة والبساطة فيما تتم دراسته، بحيث لا يستطيع الطالب استيعاب ما تتم دراسته إما لكونه جديداً على هذا الميدان،  واما لكون المدرسين لهذه المواد لا يراعون فيها قدرات طلابهم بسبب اكتظاظ الطلبة أوتلك طريقة تدريسهم، وفي النهاية يتخرج الطالب في حين أنه لم يستوعب إلا القليل مما درسه في رحاب الجامعة».
 واعتبر أن «الطريقة التقليدية لم تكن تمنح شواهد لطلابها، باعتبارها تقليدية محضة، إلا أنها كانت الأكثر انتشاراً في المغرب قبل خروج التعليم العتيق إلى الوجود، فقد خرجت لنا علماء وفقهاء متمكنين من العلوم الشرعية واللغوية، وبعد ظهور التعليم العتيق، وانصراف الطلبة إليه، ينبغي أن نطرح سؤالا جوهريا هنا: هل حقق التعليم العتيق ما يصبو إليه بتكوين عالم عصري متبحر في العلوم الشرعية والعصرية؟ ويقتضي هذا السؤال تتبع التعليم العتيق منذ ظهوره، لكن دون شك لم ينتج التعليم العتيق العالم المنشود الذي تصبو إليه الدولة، لكنه بلاشك حقق أهدافا مهمة سعت الدولة لتحقيقها».
وختم أشراو حديثه مشيراً إلى «الآفاق التي تنفتح لطالب التعليم العتيق بعد انتهائه من المرحلة الثانوية فيها وهو التوجه لسلك العالمية في التعليم العتيق التي تساوي الإجازة في الجامعات المغربية، متأملاً أن يفتح سلك الدراسات العليا في مدارس التعليم العتيق، أما الافاق خارج التعليم العتيق فكثير من الشعب تفتح في وجه طالب التعليم العتيق، كالحقوق وغيرها».
وهكذا يأتي القرآن في أحضان المدارس القديمة والحديثة في مسارات تؤكد حرص المغرب على ترسيخ الهوية الإسلامية بتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا