تعلُّم... وندم

  • 11 أغسطس 2018 12:00 ص
  • الكاتب:| أسرار الأنصاري |
  •  5

كلما سألني أحدهم: هل هناك ما ندمتِ عليه في حياتك؟
أجيب بكل تلقائية: لا، وألف لا، فأنا أتعلم من كل شيء يمر بي.
طيب.. صحيحٌ هو ذلك الجواب المغلف بالكبرياء، فالإنسان الذكي يتعلم من أخطائه وتجاربه واخفاقاته وكل ذلك، لكن هل فعلاً وحقاً ومن كل قلبي لم أندم ولو للحظة واحدة على شيء؟
سألت نفسي هذا السؤال ذات مواجهة مع الذات، حين انتصف الليل وغاب الناس وسكت الهاتف، حين بقيت أنا ومشاعري وبقايا يومي، حين يحفر العقل بحثاً عن الإجابات العميقة، الحقيقية، المدفونة في باطنه.
-
في فترة دراستي الجامعية، أجمل أيام عمري، عندما أوليتُ آراء الناس بي وظنونهم اهتماماً فاق طاقتي وقدرتي النفسية إلى حدٍ كدت فيه أن أنسلخ من ذاتي الحقيقية، تعلمت بعد سنوات ألا يكون همي آراء الناس الذين لا يعجبهم أحد، حتى ولو كان من الصالحين، وأدركت أيضاً بأنني لن أستطيع - مهما فعلت - أن أكسب حب وقبول الجميع، لكن هل فعلاً لم أندم على أيام كدت أتصلب فيها من فرط خوفي من حكمهم المسبق والمبني عادةً على أسباب سطحية بحتة؟ تلك الأيام التي مضت من عمري ولن تعود أبداً.
أيضاً، عندما صادقت أشخاصاً بإخلاص ومنحتهم كل ما كان في قلبي من حب وود وأغدقت عليهم بعاطفتي واهتمامي، عندما شاطرتهم أوقاتي وعشت معهم أيامي وكنت إلى جانبهم في أحزانهم قبل أفراحهم، وبكل خبثٍ فاجأتني سكين غدرهم ذات غفلة، نعم تعلمت ألا أصادق أي أحد وأن أنتقي من يكون حولي بعناية، لكن هل أنا فعلاً لست نادمة على مفهوم الصداقة الذي تشوهت قداسته في عيني وروحي؟
كذلك، عندما اعتقدتُ في علاقاتي الانسانية بأن الحل الأمثل أن أعامل بالمثل تماماً حتى في السوء وألا أتنازل أبداً، أن أقابل التصعيد بتصعيد، الإهمال بإهمال، التجاهل بتجاهل والمكابرة بمثلها، وعندما استمعت إلى نصيحة أحدهم بعدم التنازل تحت أي ظرف، خسرت في نهاية الأمر أشخاصاً أعلم علم اليقين بأنه لن يمر في حياتي مثلهم أبداً. نعم تعلمت بعدها أن التنازل لا يعيب وعليّ أن أرخي الحبل أحياناً، لكن هل هذا يعني بأني لا أشتاق إليهم ولا أندم على مآل الأمور بيني وبينهم؟ لا أعتقد.
-
ما أحاول قوله، بعد نجاتي من العواصف والنوائب ووصولي بسلام إلى أرض التصالح مع الذات، أكثر من «يتأذى» من المكابرة هو الإنسان نفسه، مهما اعتقد بأنه في ذلك يعذب أطرافاً أخرى فقط. ومن أشكال هذه المكابرة هو إنكار المشاعر الإنسانية البحتة التي لا تعيب «إنسانية» كل شخصٍ فينا.
-
همسة
عِش إنسانيتك بكل مشاعرها وحواسها. ابكِ عندما يخنقك العالم، غنِّ عندما لا يسعك الفرح، جُنّ حين تسأم رتابة الأيام، انعزل حين تشعر بأن كل شيء كثير عليك، سافر حين تضيق بك أرضك، وعِش كما أنت تريد، لا هم.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا