... وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ *

سلسلة تُسلّط الأضواء على الأعضاء والأنسجة البشرية الأكثر عُرضة للاستئصال جراحياً (8 من 10)

استكمالا للحلقة الماضية التي تمحورت حول العين في ضوء قول الله سبحانه «ألم نجعل له عينين» (آية رقم 8 - سورة البلد)، فإننا نتحدث في حلقة اليوم عن اللسان تحديداً على إيقاع الآية الكريمة التي تليها مباشرة «ولساناً وشفتين).
وبينما نميل إلى عدم التفكير كثيرا في اللسان ظنا بأنه مجرد قطعة عضلية بسيطة التركيب، فإن حلقتنا اليوم ستوضح كيف أن هذا العضو الضئيل ظاهريا ينطوي على تفاصيل وظيفية فائقة الدقة وشبكات عصبية ودموية وعضلية بالغة التعقيد على نحو مذهل يبين سبب امتنان الله على الناس به كنعمة تستحق جزيل الشكر.
وإلى جانب دوره الحيوي في عملية النطق وارتباط ذلك بمقولة«لسانك حصانك...»، فإن للسان دورا أساسيا في حاسة التذوق، فضلاً عن إسهاماته في آليات عمليات المضغ والبلع والتنظيف الفموي، وكل هذا بفضل مكوناته وملحقاته التشريحية الكثيرة.
فإلى مزيد من المعلومات والتفاصيل عن ذلك العضو الذي «إن صُنته صانك... وإن خُنته خانك»...
 * ﴿آية رقم 9 - سورة البلد﴾

لسانك... ظاهرياً وتشريحياً
من الناحية الظاهرية الخارجية، يبدو لسان الإنسان ككتلة من الأنسجة العضلية مكسوة بشكل كامل تقريبا بغشاء مخاطي رقيق. ويشغل اللسان معظم حيز التجويف الفموي والبلعوم الفموي الكائن في مؤخرة الفم.
وتبدأ الملامح التشريحية للسان في الظهور لدى الجنين في الأسبوع الرابع من فترة الحمل، حيث يبدأ اشتقاق الجزء المتحرك من اللسان من بنية نسيجية تُعرف تشريحيا بـ«القوس الغلصمية الأولى»، بينما تتشكل قاعدة اللسان من أجزاء من الأقواس الحنكية الثانية والثالثة والرابعة. وفي تلك الأثناء، تتولى جُسيداتُ خاصة تخليق الخلايا التي تتألف منها الأنسجة العضلية الداخلية للسان.
ومن الأمام إلى الخلف، يتألف اللسانُ من ثلاثة أقسام، هي: الطرف، والجسمٌ، والقاعدة.
طرف اللسان هو الجزءُ المتحرك، ويوجد خلفه جسم اللسان وله سطحان علويٌّ وسفليّ. وعلى امتداد اللسان يوجد خط فاصل يعرف تشريحيا باسم«الفالِق المتوسط»، وهو خط يقسم جسم اللسان طوليا إلى نصفين. وهناك أيضا«الفالِق الانتهائي»وهو على شكل حرفV، ويفصل بين جسم اللسان وقاعدته. أما قاعدة اللسان فتحوي على اللوزات اللسانية التي تشكل جزءا مما يعرف تشريحيا باسم «حلقة فالداير».
كما يتم أحيانا تقسيم اللسان إلى قسمين رئيسيين، وهما: القسم الفموي المؤلف من الثلثين الأماميين ويشكل الجزء المتحرك من اللسان، والجزء البلعومي الذي يتألف من الثلث الخلفي أي قاعدة اللسان.

 حُليمات... وبراعم
يكتسي سطح الجزء المتحرك من اللسان بآلاف من الحُليمات (تصغير حلمة) اللسانية، والتي هي عبارة عن نتوءات صغيرة جدا بارزة بأنساق محددة من الصفيحة. وتنقسم تلك الحُليمات إلى 5 أنواع، وهي:
• الحُليمات الكأسية
• الحُليمات المخروطية
• الحُليمات الورقية
• الحُليمات الخيطية
• الحليمات الكمئية (الفطرية)
الحُليمات الكأسية والمخروطية بارزةٌ ومُحاطة بأجواف. ويوجد لدى الإنسان ما بين 8 و 12 حليمة كأسية ومخروطية توجد أمام الفالِق الانتهائي مباشرة. وتحوي كل حليمة حوالي 250 برعم تذوّق. تصب إفرازات قنوات الغدد اللعابية اللسانية الحاويةُ على الليباز اللساني على الأجواف المحيطة بهذه الحُليمات، وهنا تحديدا تبدأ المرحلة الأولى من سلسلة عمليات هضم الدهون.
أما الحُليمات الورقية فيبلغ عدد براعم التذوّق فيها حوالي 1000 برعم، وهذه الحُليمات هي على شكل ثنيات صغيرة متراصة على الوجه الوحشيّ من اللسان.
وتتسم الحُليمات الخيطية بكونها رفيعة وطويلة وهي الأكثر عددا، حيث تنتشر على ظهر اللسان بأكمله، ولكنها لا تلعب دورا مباشرا في حاسة التذوق.
ويُطلق على الحُليمات الكمئية (الفطرية) هذا الاسم لأنها تشبه الكمأ في شكلها، وهي تتوزع بشكل كثيف على طول قمة اللسان وعلى السطوح الوحشية. ويوجد لدى الإنسان ما بين 200 و 300 حليمة كمئية، وكل حليمة تحوي حوالي 1600 برعم تذوّق. وكل برعم تذوّق يحوي في داخله عددا من الشعيرات العصبية فائقة الدقة. وتقوم كل مجموعة من براعم التذوّق الموزعة على مناطق اللسان التمييز بين مذاقºات الأطعمة الرئيسية الخمسة، وهي: المالح، والحلو، والمر، والحامض ومذاق الأومامي (أي مذاق اللذة).
 
 البنية العضلية
يرتبط اللسان بالفك السفلي من خلال 17 عضلة بعضها يمكّنه من الحركة وبعضها الآخر يكسبه المرونة.
واللسان مزود بأربع عضلات خارجيّة المنشأ، أي أن كل واحدة منها تنشأ من نقطة خارج اللسان تمتد وصولا إليه وترتكز عليه، كما أنه يحوي أربع عضلات داخلية المنشأ ولا ترتكز على أيّ عظم. ولا تعمل هذه العضلات بمعزل عن بعضها البعض، بل تتولى العضلاتُ الداخلية المنشأ تغيير شكل اللسان بينما تتولى العضلات الخارجية المنشأ تحريكه في اتجاهات مختلفة.

التغذية الدموية
على غرار معظم منطقة الرأس والعنق، يستمد اللسان تغذيته عن طريق الدم من خلال الشريان اللساني المتقرع بدوره من الشريان السباتي الظاهر. ويتشعب الشريان اللساني داخل اللسان إلى 3 فروع رئيسية، وهي: الفرع اللساني الظهري، والفرع اللساني العميق، والتفريعات تحت اللسانية.
وبينما يُغذي الشريانُ اللساني الظهري قاعدة اللسان، فإن الشريان اللساني العميق يمر على السطح السفليّ للسان وصولا إلى أقصى طرفه، ويسمى الشريان المتفرّع إلى الغدة تحت اللسان وأرضية الفم بالشريان تحت اللساني.

 شبكة الأعصاب
تنبثق الأعصاب المحركة لعضلات اللسان من العصب تحت اللساني، وتستثنى من ذلك العضلة الحنكية اللسانية التي تنبثق أعصابها من الضفيرة البلعومية. ويقوم العصبُ اللساني بتزويد الأعصاب الحسيّة العام للثلثين الأماميين من اللسان، بينما تنبثق أعصاب التذوّق لهذين الثلثين من عصب يعرف باسم«حبل الطبل» ومُتفرّع عن العصب الوجهي.
أما الأعصاب الحسية العامة وأعصاب التذوّق للثلث الخلفيّ من اللسان فتنبثق من الفرع اللوزيّ اللسانيّ التابع للعصب اللساني البلعومي.

 أمراض اللسان
في حال إصابة اللسان بأي مرض، فإن لونه وملمسه قد يتغيّران، وفي أحيان أُخرى قد نشعر بألم به. والتغيّر أو الألم الذي قد يُصيب اللسان قد يعني وجود مشكلات شائكة كنقص فيتامينات معينة مثل فيتامين ب 12، أو سرطان الفم، ومرض الايدز.
لكن باستثناء الأمراض السرطانية، فإن أمراض اللسان لا تعتبر خطيرة، ومعظمها يشفى بشكل سريع نسبيا إلى درجة أن نسيج اللسان هي الأسرع التئاما مقارنة ببقية أنسجة الجسم البشري.
في التالي سرد لأبرز الأمراض والمشاكل التي قد تصيب اللسان:

تشوهات خلقية
• انعدام اللسان: عدم وجود لسان للمولود.
• التصاق أو ربط اللسان: يتسبب التصاق لجام اللسان به من اسفل في تثبيته إلى قاع الفم.
• قصور اللسان: يكون طول جسم اللسان أقصر مما ينبغي.
• صغر اللسان: يكون حجم جسم اللسان ضامرا أو أصغر مما ينبغي.
• ضخامة اللسان: يكون حجم اللسان متضخما بشكل غير طبيعي.
• تدلّي اللسان: يكون مترهلا بسبب ضعف العضلات والأربطة الخاصة به.
اللسان المتشقق: إذا كانت لديك بعض الشقوق في لسانك، فهذا لا يعني بالضرورة أنك مصاب بحالة مرضية. فوجودُ أخاديد أو تجاعيد وتعرجات غير مؤلمة في اللسان هو أمرٌ طبيعي نظرا لتنوع البشر واختلاف أشكال ألسنتهم. وتظهر تلك التشققات والأخاديد على ظهر اللسان أو على امتداد جانبيه وتكون متفاوتة العمق، حيث قد يصل عمقها في بعض الحالات إلى 5 ميليمترات، وقد تتوازى أو تتصل مع بعضها بعضا لتشكل مربعات أو تقسيمات على السطح الخارجي للسان. لكن إذا كانت تلك الشقوق أو الأخاديد غائرة أو مؤلمة، فيستحسن أن تلجأ إلى اختصاصي في طب الفم والصحة الفموية لتستشيره.

مشاكل مكتسبة
• اللسان الكافياري: في هذه الحالة يصبح السطح الأسفل من اللسان شبيها بالكافيار (بيض السمك الضارب إلى اللون الأحمر) عندما تتوسع الأوردة تحت اللسانية وتصبح نافرة.
• الأورام الوعائية الدموية
• التهابات اللسان: تنتج بعض أنواع التهاب اللسان بسبب الإصابة بعدوى بكتيرية أو فطرية او فيروسية العدوى.
• مرض المبيضات الفموية: يصيب الأغشية المخاطية للفم ويمتد إلى اللسان، وهو ينجم عن الاصابة بعدوى فطريات خميرية تنتمي إلى جنس المبيضات، أوعند الإصابة بالفيروس المسبب لمرض الإيدز.
• متلازمة شوغيرن: يمكن أن تسبب جفاف الفم، وينتج عن ذلك التهابات حادة في اللسان.

مشاكل عصبية
• ضمور عصب ما تحت اللسان: يؤدي إلى ضعف اللسان وضموره وتليفه.
• متلازمة مالكيرسون-روزينتال: هي عبارة عن اضطراب عصبي يتجلى من خلال تشققات في اللسان، وشلل في بعض أعصاب الوجه، وتورُّم فموي وجهي.

الأورام السرطانية
• الجانبان الأفقي وتحت السطحي من اللسان هما موقعان معرضان لمخاطر عالية للإصابة بسرطانات الفم، وأكثرها شيوعا هو سرطان الخلايا الحرشفية. ومعظم هذه الأورام تستدعي اللجوء إلى استئصال اللسان سواء كان جزئياً أو كلياً.

براعم لسانك تستقبل ... ودماغك «يتذوق»!

يستطيع اللسان تمييز المذاقات المختلفة بفضل براعم التذوق المنتشرة عليه بأنساق معينة.
لكن من المهم هنا تصحيح معتقد شائع مغلوط مفاده أن تلك البراعم هي التي تتذوق. فالحقيقة التي تم اثباتها علميا هي أن تلك البراعم ليست سوى بوابات أمامية تستقبل المعلومات فقط وتنقلها سريعا من خلال نواقل عصبية إلى مركز معين في الدماغ، وهذا المركز هو الذي يتفاعل ويتعرف على هذا المذاق أو ذاك ويمنح الإحساس به.
وعمليا، هذا يعني أن المتذوق الحقيقي هو الدماغ وليست براعم التذوق المنتشرة على اللسان!
ويتكون كل برعم تذوّق من خلايا مستقبلة وخلايا قاعدية وطرفية. وعندما ترتبط جزيئةُ الطعم على مُستقبل التذوق، يزول استقطابُ خلايا المستقبل مسببة تدفق شوارد الكالسيوم، ما يؤدي إلى إطلاق ناقل عصبي ينقل المعلومة إلى مركز معين في الدماغ.
في ما يتعلق بحاسة ووظيفة التذوق، ينقسم اللسان إلى 4 مناطق تذوق موزعة كما هو موضح في الصور المرفقة، ووفقا للوصف التالي:
1 - منطقة استشعار المذاقات اللذيذة (الـ»أومامي»): وهذه المذاقات هي السكريات الطبيعية وبعض أنواع الأحماض الأمينية. وتوجد هذه المنطقة في وسط اللسان وفي جزء من مؤخرته.
2 - منطقة تذوّق الحوامض: توجد على جانبي اللسان من الأمام.
3 - منطقة تذوّق الأطعمة المالحة: توجد على جانبي اللسان من الخلف.
4 - منطقة تذوّق الأطعمة المُرَّة: توجد في الجزء الخلفي وفي الثلث الأخير من اللسان.
وتتأثر حاسة التذوق بعوامل كثيرة بينها وجود التهاب أو اضطراب في الجهاز التنفسي أو في حاسة الشم، وهو الأمر الذي يمكن للمرء ملاحظته عندما يصاب بالزكام أو بانسداد في أنفه فلا يحس بطعم ما يأكله او يشربه. كما تؤثر درجة سخونة أو برودة الطعام الذي نتناوله على حساسية حاسة التذوق.

عندما يُقطع اللسان... فِعلياً

عندما يحتدم وطيس التلاسن بين طرفين، قد يلجأ أحدهما إلى تهديد الآخر بعبارة «سأقطع لسانك» أو «سأقص لسانك»، وذلك كناية عن أنه سيُخرسه بطريقة أو بأخرى. لكن عندما يقول طبيب جراح هذه العبارة لأحد مرضاه، فإنه يعنيها «حرفيا». فقد يستوجب الأمر في حالات معينة قطع أو كل أو جزء من ذلك العضو من خلال عملية جراحية تُعرف بــ«استئصال اللسان». وقد يكون الاستئصال جزئيا أو كليا، أي أن يزال اللسان كاملا أو يزال جُزء معين منه.
وفي كلتا الحالتين، يكون الاستئصال الجراحي هو المعالجة الاضطرارية التي يتم اللجوء إليها لكبح تفشي سرطان اللسان إلى أنسجة اخرى مجاورة. ويعتمد نوع ونطاق العملية الجراحية على حجم السرطان والمنطقة التي تم رصده فيها.
وفي معظم الحالات تتم إزالة إحدى فلقتي اللسان فقط في عملية تُعرف جراحيا باسم «استئصال نصف اللسان»، وهي العملية التي تشهد قص اللسان طوليا وازالة الشق المصاب بالسرطان في حين يتم الإبقاء على الشق الآخر. ويكون ذلك في حال كون الورم السرطاني صغيرا وفي جانب واحد من اللسان. أما عندما يكون الورم كبيرا أو تجاوز الخط الفاصل بين فلقتي اللسان أو امتد إلى قاعدة اللسان والغدد اللمفاوية المجاورة في الرقبة، فإن الأمر يستوجب استئصال اللسان كاملا.
وبشكل عام، تسهم عمليات الاستئصال الجزئي للسان في تمكين 70 في المئة تقريبا من المرضى من الحفاظ على القدرة على الكلام بشكل شبه طبيعي فضلا عن القدرة على تحريك الطعام خلال مضغه.
لكن الخبر السار هو أن سرطان اللسان والفم نادر الحدوث نسبيا، وفقا لإحصائيات منظمة الصحة العالمية. وفي معظم الحالات تكون الاصابات السرطانية اللسانية والفموية ناجمة عن التدخين، ومضغ التبغ، وشرب الكحوليات.
ومن الممكن أن يعود سرطان اللسان إلى الظهور من جديد بعد الاستئصال الجراحي، إذ تشير احصائيات طبية إلى أن 40 في المئة تقريبا من المرضى اللذين يخضعون لتلك الجراحة تعاودهم الإصابة ويحتاجون إلى إجراء عملية جراحية أخرى.
وقد يتم اللجوء في حالات معينة إلى استئصال اللسان جزئيا عند نقطة خط الوسط لأسباب غير سرطانية، وهي جراحة يتم بموجبها تقليص حجم قاعدة اللسان بهدف معالجة مشكلة انسداد مدخل مجرى التنفس خلال النوم.

مستندات لها علاقة

الصور

  • شارك


اقرأ أيضا