مدخل المسجد


مسجد علي حمد الحِمْد... بريقُ الإيمان ينبضُ منذ 118 عاماً

يندرج تحت مظلة المساجد التراثية بوزارة الأوقاف وكان موقوفاً على الإمام أو المؤذن

  • علي الحِمْد من رجالات كويت الأمس ومن بصمات الخير فيها وأحد وجهاء حي قبلة  

  • بنى المسجد عام 1900 في حي الزنطة بمنطقة قبلة وكان متعلّقاً به يعلّم القرآن ويزرع حبه في القلوب 

  • رغم عوامل الزمن ومرور السنين ظلّ المسجد بجذوره مغروساً في الأرض متشبثاً بالبقاء

لنبدأ من الموت، الحق الذي ينتهي إليه البشر بقول الله تبارك وتعالى «كل نفس ذائقة الموت»، وقوله عزّ وجل «كل مَن عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام».
لنا اليوم وقفة مع حكاية جميلة تلامس الروح، وتنغرس في ثنايا القلب، وتحضننا بدفء العلاقة مع خالق الكون رب العرش العظيم، وتعود بنا إلى صفحة جميلة نقية من صفحات ماضي الكويت، حكاية ذلك الرجل التقي الورع الشيخ علي حمد الحِمْد يرحمه الله، وهو رجل من رجالات كويت الأمس، كويت البحر، كويت العراقة، ويعود بجذوره إلى الجزيرة العربية.
فقد قدمت أسرته إلى الكويت في القرن الثامن عشر، وعُرفت بحب العلم والدين، تُوفي يرحمه الله عام 1930 في الكويت، وله من الأبناء خمسة محمد وعبدالرحمن وفاطمة ومنيرة وطيبة.
هنا البداية التي تنطلق من موت رجل من وجهاء حي قبلة ومن بصمات الخير فيها، غادر الدنيا مرتحلاً إلى عالم البقاء، وكان زاده في الرحيل حب الله تبارك وتعالى، وقد ترك في الدنيا رمزاً من رموز تعلقه بربه وعشقه لدينه، ترك مسجداً يحمل اسمه تم بناؤه عام 1318 هـ - 1900 م في حي الزنطة بمنطقة قبلة بدولة الكويت.
وقد كان المسجد مجاوراً لمنزله القديم الذي لم يعد له أثر منذ سنوات طوال مضت، ذاك المنزل المعطر بالقرآن والذكر والتسبيح، منزل عرف لذة حب الله عزوجل، والتعلق بكتابه، ومغموس بالورع والصلاح، وحب الآخرين في الله، كان يفتح أبواب بيته في الصباح فتدخل النساء لطحن الحبوب بمجموعة من الرحاة، وهي الوسيلة التقليدية آنذاك في طحن الحبوب، ويُغلق الباب بعد صلاة العشاء.
دارت تلك الحكاية الجميلة في سنوات البحر والنقاء، عصر يخلو من العقد، ويميل إلى العفوية والبساطة في كل التفاصيل، وكان الحب والطهر والنقاء منهجا في حياة الكويتيين، تحكمهم قوة العلاقات ومتانتها، والتلاحم القلبي الذي يجمع أرواحهم المشبعة بالدين. وعلى الرغم من صغر مسجد علي الحِمْد - مقارنة بالمساجد الحديثة- وعلو المباني السكنية والتجارية الحديثة الشاهقة الارتفاع التي أحاطت به في بقعة جغرافية كانت ممتدة بفضاء فارغ، إلا أنه يعجُّ بالمصلين الذين يصل عددهم إلى 290 مصليا، ولايكاد المسجد يخلو من وجود محبي القرآن ممن يجلسون في رحابه لقراءة القرآن بين الصلوات الخمس.
لنتخيل معا مضي مئة وثماني عشرة سنة على بنائه ما شاء الله، ورغم عوامل الزمن التي تصاحبه على مرّ السنوات، إلا أنه بفضل الله عزّ وجل ظل بجذوره مغروسا في الأرض، شامخا بكلام الله تبارك وتعالى، متشبثا بالبقاء وعدم الفناء، متشبعًا بالأذان والقرآن والذكر، ولايزال صامدا بفضل الله عزّ وجل.
ويتكون المسجد من مصلى رئيسي يجاوره رواق مطل على فناء، وله بابان وفيه بئر قديم كان يخدم المسجد، وماء سبيل، ويضم غرفا للخدمات، وأماكن الوضوء، ومنارة بالبناء المعماري القديم، وتم تحديثه من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وأضيف له مصلى خاص بالنساء.
حين نعود إلى تلك الأيام الأولى التي شهدت ولادة هذه المسجد، فإننا نشير إلى قدوم بعض المهرة وهم جماعة من جنوب اليمن إلى الكويت في تلك الحقبة من التاريخ، وكانوا قد استأجروا بعض البيوت في هذا الحي الذي يسكن فيه الشيخ علي الحِمْد يرحمه الله، وقد عُرف عنهم التدين وحسن الأخلاق، وكان صنكور المهري أول مؤذن يمني في المسجد بعد تأسيسه، وكان الشيخ علي الحِمْد هو الإمام، وكان يلقي دروسا دينية بعد كل صلاة، حتى توفاه الله عام 1930، فمسك زمام الإمامة فيه ابنه محمد يرحمه الله، وظل إماما للمسجد حتى توفاه الله عام 1963، ومرت السنوات، والمسجد يشعُّ ببريقه الإيماني والتراثي والمعماري القديم في ذاك المكان، مثيرا انتباهنا لرجل آثر الآخرة على الدنيا، وسلّم قلبه للخالق، وعاش في أحضان القرآن والذكر والتسبيح وفعل الخير للناس.
ويندرج المسجد تحت مظلة المساجد التراثية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وكما نعرف فقد تنوعت غايات الوقف على المساجد لتتناول غرضاً أو أكثر، وكان مسجد علي الحِمْد موقوفا على الإمام أو المؤذن، إمّا لتوفير المسكن، أولدفع الرواتب،حيث كان البيت الموقوف على هذا المسجد يُؤجّر ويُصرف من ريعه على الإمام أو المؤذن. هذا ويهتم أحفاد الشيخ علي الحِمْد يرحمه الله بمتابعة صمود المسجد كبيت من بيوت الله تعزيزًا لاستمرار الأذان فيه والصلوات كما أراد مؤسسه، متمنين مزيدا من الاهتمام به من قطاع المساجد بوزارة الأوقاف، والنظرإليه بعين الاهتمام، وإلى وقف الشيخ علي الحِمْد الذي ببعض ريعه يمكن تغطية نفقات صيانة المسجد، وإصلاحه، والمحافظة على تجذّره ببريقه المعماري القديم فهو معلم أثري يصدح بصوت الدين.
وهكذا ننتهى إلى الموت، فقد مات رجل من وجهاء الكويت، ومن رجالات التقوى والورع، مات الشيخ علي حمد الحِمْد المعروف بـ «علي بن حِمْد» ولكن ظل المسجد صامدًا يعلن عشقه -يرحمه الله- لإسلامه.
اللهم ارحمه رحمة واسعة، واشمله بمغفرتك وعفوك، وأنعم عليه بالفردوس الأعلى في الجنة وذريته أجمعين، وجميع المسلمين.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا