خواطر تقرع الأجراس / قل و... قل

تصغير
تكبير
قل: حضرت المحاضرة في الجامعة...

هذه المرة لم أضع قولاً مقابل قول، كما في الأقوال السابقة؛ لأن المقابل الأول لا يصلح مع الثاني، فقد تجاوزه الزمن، والذائقة اللغوية الجمالية للناس والكُتّاب؛ فالصواب، عند الغائبين عن مسيرة التطور اللغوي: حضرت الخُطبة في الجامعة !

فقد أصدر أسعد خليل داغر( توفي 1935) كتابه: تذكِرة الكاتب. صدّره ببضعة أسطر أحمد تيمور باشا (توفي 1930 ). وقد استهل المؤلف كتابه بأبيات من الشعر ، «راجياً» أن يتقبله الكُتّاب، لاعتماده؛ لأنه رأى أن الأخطاء اللغوية «على أيدي خوارج اللغة «، كما سمّاهم، قد استفحلت ويجب استئصالها. وكأنها الرؤوس التي أينعت وحان قطافها، كما قال الحجّاج الثقفي!

من لغة «خوارج اللغة»، يحذِّر أسعد داغر الكُتّابَ من استعمال: حاضرَ. محاضرة. محاضِر. بدل : خطَبَ وخُطبة وخطيب . يقول: «إنك لتراه دائراً في أفواه المتكلمين، وألسنة الخطباء، وأقلام الكُتّاب. فكأنهم يتوهّمون أن كلمة محاضرة أضخم لفظاً، وأفخم معنى من كلمة خُطبة فيُؤْثرونها عليها. كما يفضلون كلمات: تعريب، ومحرِّر، وأستاذ على: ترجمة، وكاتب، ومعلم، لهذا الوهم نفسه! ولعل بعضهم يرى غضاضة عليه أن يقال لِما ألقاه من الكلام على جماعة: «خُطبة « ولا يقال له: «محاضرة» ! ويتابع: «فالمحاضرة مصدر حاضرَ، بمعنى عدا وسابقَ، أو بمعنى: جاء بالجواب حاضراً. إذن هي العدْوُ والسّباق، أو هي ما بين القوم بأن يجيب الواحد صاحبه بما يحضُره من الجواب. ومن ذلك: المحاضرة الشعرية، كما بين عبيد بن الأبرص وامرئ القيس، وبين أبي تراب السريجي والشريف العباسي. وفلان حَسَن المحاضرة: أي حسن المجالسة. هذه معاني المحاضرة، وليس فيها واحد يُسَوّغ استعمالها بمعنى «الخُطبة» والأئمة الذين اشتهروا بالبراعة في الخطابة لم يُنعَت أحدٌ منهم قَط بكلمة محاضِر»!

انظروا كيف يعبثون بروح لغتنا الجميلة العبقرية! ففي لغتنا يكمن سر المحاضرة كما نعرفها اليوم؛ ففي مصادرنا القديمة: المحاضرة أي المجادلة «لا المجالدة». وحاضرتُه محاضرةً: حاججتُه. وحاضرتُه: شاهدته. وهو حاضر بالجواب والنوادر: يقولها ارتجالاً أوببديهة سريعة. وفلان حسَنُ المحاضرة أي حَسَن المجالسة. والمحاضرة: الاعتراض والمجادلة.

وفي المعجم الوسيط: حاضرَ القومَ أي جالسهم وحادثهم بما يحضُره، ومنه: ألقى المحاضر عليهم محاضرة (محدَثة).

لدينا اليوم: خُطبة رجل الدين على المنبر... وخطاب الرئيس أوكلمته. والمحاضرة الجامعية أو الثقافية العامة. والمناظرات أو المساجلات الشعرية. فلنباركْ (خوارج اللغة) على استخراج أسرار التعبير الجميل الدقيق من كنوز لغتنا الحية. ولنترك الخوارج الحقيقيين خارج مسيرة لغتنا في الحياة.

* شاعر وناقد سوري
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي